رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤١٦ - الرسالة الثانية عشرة من القسم الرياضي في معنى بارامانياس و هي الرسالة الثالثة من المنطقيات
و اعلم بأن الحكم نوعان: تارة يكون الصّدق و الكذب فيه ظاهرين، و تارة يكونان فيه خفيّين، بيان ذلك أنه متى كان قول القائل محتملا للتأويل، لم يتبيّن فيه الصّدق و الكذب، و متى كان غير محتمل للتأويل بان فيه الصّدق و الكذب.
و اعلم بأن القول يكون غير محتمل للتأويل متى كان محصورا، و المحصور من الأقاويل ما كان عليه سور[١]، و سور الأقاويل نوعان: كلّي و جزئي، فالسور الكليّ مثل قولك: كلّ إنسان حيوان، فهذا صدق و ظاهر بيّن لأن عليه سورا كلّيّا. و الكذب الظاهر البيّن مثل قول القائل:
ليس واحد من الناس حيوانا، فكذب ظاهر، لأن عليه سورا كلّيّا، و أما السّور الجزئيّ فمثل قولك: بعض الناس كاتب، و بعض الناس ليس بكاتب، و الصدق فيهما ظاهر بيّن، لأن عليهما سورا جزئيا. و أما ما كان من الأقاويل الغير المحصورة فهو الذي ليس عليه سور، و هو نوعان: مهمل و مخصوص. فالمهمل مثل قولك: الإنسان كاتب، و الإنسان ليس بكاتب، فلا يتبيّن فيه الصّدق و الكذب، لأنه لا يمكن للقائل أن يقول أردت بعض الناس. و أما المخصوص فمثل قول القائل: زيد كاتب، و زيد ليس بكاتب، فلا يتبيّن فيهما الصّدق و الكذب، لأنه يمكنه أن يقول: أردت بزيد الفلانيّ. و أما إذا جعل على كل قول قائل سور كليّ كما وصفنا، فيتبيّن الصّدق عند ذلك لأنه لا يمكنه أن يقول: أردت غير ما أوجبه الحكم.
و اعلم أنه يجب على المستمع أن يلزم القائل ما يوجبه قوله، و يطالبه به، لا بما في ضميره، لأن الضمائر لا يطّلع عليها أحد إلّا اللّه تعالى؛ فقد تبيّن بهذا المثال أن الكلام إذا لم يكن محصورا بسور، لا يتبيّن فيه الصّدق و لا الكذب ظاهرا.
[١] -السور عند المنطقيين: هو اللفظ الدال في القضية على كمية أفراد الموضوع ككل و بعض و نحوهما، في نحو قولك: كل إنسان حيوان و بعض الحيوان إنسان.