رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٣٦ - فصل في معقولات الحواس و نتائجها
و هكذا يظنّ كثير منهم أن خارج العالم فضاء بلا نهاية إما ملاء[١] و إما خلاء، قياسا على ما يجدون من خارج دورهم من أماكن أخر، و خارج بلدهم بلدانا أخر، و خارج عالمهم عالم الأفلاك، و هكذا يظنون أن الباري، عزّ و جلّ، خلق العالم في مكان و زمان، قياسا على ما يجدون من أفعالهم و صنائعهم في مكان و زمان. و لهذه العلّة ظنّ كثير منهم أن الباري، جلّ جلاله، جسم، قياسا على ما شاهدوا، إذ لم يجدوا فاعلا إلّا جسما، و وجدوا الباري فاعلا، و إذا ارتاضوا في العلوم الإلهية، استبان لهم أن الأمر بخلاف ذلك كما بيّنّا في الرسالة الإلهية.
و اعلم يا أخي بأن الانسان لا يرتقي في درجات العلوم و المعارف رتبة إلا و تسنح له أمور يكون علمه بها قبل البيان و الكشف كظنونه بالأشياء المحسوسات قبل معرفة حقائقها و هو طفل كما بيّنّا قبل.
فصل في معقولات الحواس و نتائجها
و اعلم يا أخي بأن نسبة المعلومات التي يدركها الإنسان بالحواسّ الخمس، بالإضافة إلى ما ينتج عنها في أوائل العقول، كثيرة كنسبة الحروف المعجمة بالإضافة إلى ما يتركّب عنها من الأسماء. و نسبة المعلومات التي هي في أوائل العقول، بالإضافة إلى ما ينتج عنها بالبراهين و القياسات من العلوم، كثيرة، كنسبة الأسماء إلى ما يتألّف عنها في المقالات و الخطب و المحاورات من الكلام و اللغات، و الدليل على صحة ما قلنا بأن المعلومات القياسية أكثر عددا من المعلومات التي هي في أوائل العقول ما ذكر في كتاب أقليدس، و ذلك أنه يذكر في صدر كل مقالة مقدار عشر معلومات أقلّ أو أكثر مما هي في أوائل العقول، ثم يستخرج من نتائجها مائتي مسألة معلومات برهانيّة،
[١] -الملاء: الجسم في اصطلاح الحكماء، و مدّ هنا كالخلاء للازدواج.