رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٤٠ - فصل في تلون تأثيرات الأنغام
فصل في تلوّن تأثيرات الأنغام
اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأن تأثيرات نغمات الموسيقار في نفوس المستمعين مختلفة الأنواع، و لذّة النفوس منها و سرورها بها متفنّنة متباينة، كلّ ذلك بحسب مراتبها في المعارف، و بحسب معشوقاتها المألوفة من المحاسن، فكلّ نفس إذا سمعت من الأوصاف ما يشاكل معشوقاتها، و من النغمات ما يلائم محبوبها، فرحت و سرّت و التذّت، بحسب ما تصوّرت من رسوم معشوقها، و اعتقدت في محبوبها، حتى ربما وقع النكير من الآخرين، إذا لم يعرفوا مذهبه، و لا ما قصد نحوه. و المثال في ذلك ما يحكى أن رجلا من أهل الوجد من المتصوّفة سمع قارئا يقرأ «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً» فاستعادها من القارئ مرارا، و جعل يقول: كم أقول لها ارجعي، فليس ترجع! و تواجد[١] و زعق و صعق صعقة فخرجت روحه. و سمع آخر رجلا يقرأ: فما جزاؤه ان كنتم كاذبين؟
قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو «جزاؤه»، فاستعادها و زعق و صعق، فخرجت روحه. فقال أهل الوجد: انما حمل معنى قوله: «جزاؤه من وجد في رحله» ان المحبوب هو جزاء الحبيب، لأنه هو الموجود في رحله، يعنون ان صورة المحبوب مصوّرة في نفس الحبيب، و رسوم شكله منقوشة في قلبه، فذلك جزاؤه. أ لا ترى يا أخي كيف حمل معنى القول على مذهبه و مقصده مع شهرة معنى الآية في الظاهر؟ و آخر سمع قول القائل و هو يغني:
|
قال الرسول: غدا تزو |
ر، فقلت: تدري ما تقول؟ |
|
فاستفزّه القول و اللحن، و تواجد و جعل يكرّره و يجعل مكان التاء نونا، و يقول: غدا نزور، حتى غشي عليه من شدّة الفرح و اللذة و السرور. فلما
[١] -تواجد: اظهر من نفسه الوجد، أي المحبة و الحزن، و هو عند الصوفيين المحبة الالهية:
و الحزن للابتعاد عن اللّه، و شدّة التشوّق اليه.