رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩٤ - فصل في أن الجسم لا يتحرك من ذاته
الحيوان و النبات و المعاهن و فعالها الشخصية التي تظهر من أشخاص الحيوانات و ما يجري على أيدي البشر من الصنائع التي تقدّم ذكرها.
و اعلم يا أخي بأن النفس جوهرة روحانية حيّة بذاتها، فإذا قارنت جسما من الأجسام صيّرته حيّا مثلها، كما ان النار جوهرة جسمانية حارّة بذاتها، فإذا جاورت جسما من الأجسام صيّرته حارّا مثلها. و اعلم بأن للنفس قوتين اثنتين، إحداهما علّامة، و الأخرى فعّالة، فهي بقوتها العلّامة تنزع رسوم المعلومات من هيولاها، و تصوّرها في ذاتها، فتكون ذات جواهرها لتلك الرسوم كالهيولى، و هي فيها كالصورة؛ و بقوّتها الفعّالة تخرج الصور التي في فكرها، و تنقشها في الهيولى الجسماني، فيكون الجسم عند ذلك مصنوعا لها.
و كلّ متعلم علما فإن صورة المعلوم في نفسه بالقوّة، فإذا تعلّمها صارت فيها بالفعل؛ و هكذا كلّ متعلم صنعة فإن صور المصنوعات في نفسه بالقوّة، فإذا تعلّمها صارت فيها بالفعل. و التعلّم ليس شيئا سوى الطريق من القوّة إلى الفعل، و التعليم ليس شيئا سوى الدلالة على الطريق، و الاستاذون هم الأدلّاء و تعليمهم هو الدّلالة، و التعلّم هو الطريق، و المعلوم هو المطلوب المدلول عليه؛ فنفوس الصّبيان علّامة بالقوّة، و نفوس الأستاذين علّامة بالفعل، و كلّ نفس علّامة بالقوّة لا بدّ لها من نفس علّامة بالفعل تخرجها من القوّة إلى الفعل.
و اعلم يا أخي بأن كلّ صانع من البشر لا بدّ له من أستاذ يتعلّم منه صنعته أو علمه، و ذلك الأستاذ من أستاذ له قبل و هكذا حتى ينتهي إلى واحد ليس علمه من أحد من البشر، فيكون عند ذلك أحد الأمرين، إما أن نقول انه استخرجه بقوّة نفسه و فكره و رويّته و اجتهاده، كما يزعم المتفلسفون، و إما أن نقول انه أخذه عن موقف له ليس من البشر، كما يقول الأنبياء، صلوات اللّه عليهم.
و اعلم يا أخي علما يقينا أنه ليس من البشر أحد يحيط بعلم من العلوم،