رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠٥ - فصل في كيفية صناعة الآلات و إصلاحها
وسطى كلّ وتر مثل نغمة خنصره و مثل ثمنه سواء. و بالجملة ما من وتر و لا دستان من هذه الأوتار و الدساتين إلّا و لنغماتها نسبة بعضها إلى بعض.
و لكن منها ما هي فاضلة شريفة، و منها دون ذلك. فمن النّسب الفاضلة الشريفة أن تكون النغمة مثل الأخرى سواء، و تكون النغمة الغليظة مثل الحادّة و مثل ثلثها و مثل نصفها، أو مثلها و مثل ربعها، أو مثلها و مثل ثمنها. فإذا استوت هذه الأوتار على هذه النّسب الفاضلة و حرّكت حركات متواترة متناسبة حدث عند ذلك منها نغمات متواترة متناسبة، حادّات خفيفات، و ثقيلات غليظات. فإذا ألّفت ضروبا من التأليفات كما تقدّم ذكرها في فصل قبل هذا، و صارت النغمات الغليظات الثّقال للنغمات الحادّات الخفاف كالأجساد و هي لها كالأرواح، و اتحد بعضها ببعض، و امتزجت و صارت ألحانا و غناء، كانت نقرات تلك الأوتار عند ذلك بمنزلة الأقلام، و النغمات الحادّات منها بمنزلة الحروف، و الالحان بمنزلة الكلمات، و الغناء بمنزلة الأقاويل، و الهواء الحامل لها بمنزلة القراطيس، و المعاني المتضمّنة في تلك النغمات و الالحان بمنزلة الأرواح المستودعة في الأجساد. فإذا وصلت المعاني المتضمّنة في تلك النغمات و الألحان إلى المسامع، استلذّت بها الطباع، و فرحت فيها الأرواح، و سرّت بها النفوس؛ لأن تلك الحركات و السكونات التي تكون بينها تصير عند ذلك مكيالا للأزمان و أذرعا لها، و محاكية لحركات الأشخاص الفلكية، كما ان حركات الكواكب و الأفلاك المتّصلات المتناسبات هي أيضا مكيال للدهور و أذرع لها. فإذا كيل بها الزمان كيلا متساويا متناسبا معتدلا، كانت نغماتها مماثلة لنغمات حركات الأفلاك و الكواكب، و مناسبة لها؛ فعند ذلك تذكّرت النفوس الجزئيّة التي في عالم الكون و الفساد سرور عالم الأفلاك و لذّات النّفوس التي هناك، و علمت و تبيّن لها بأنها في أحسن الأحوال و أطيب اللذّات و أدوم السرور، لأن تلك النغمات هي أصفى، و تلك الالحان أطيب، لأن تلك الأجسام أحسن تركيبا، و أجود