رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٦ - فصل في ماهية الأخلاق
الخصال، و إظهار هذه الأفعال، إلى فكر و رويّة و اجتهاد شديد، و كلفة، و لا يفعل الإنسان هذه الأمور إلّا بعد أمر و نهي، و وعد و وعيد، و مدح و ذمّ، و ترغيب و ترهيب. و على هذا المثال يكون كلّ حكم في الطبع خلافه، يحتاج صاحبه إلى أمر و نهي و فكر و اجتهاد و رغبة. و بهذه العلّة وردت أكثر أوامر الناموس و نواهيه؛ و لهذا السبب كان وعده و وعيده و ترغيبه و ترهيبه. و لو كان الإنسان الواحد مطبوعا على جميع الأخلاق، لما كان عليه كلفة في إظهار كل الأفعال و جميع الصنائع، و لكن الإنسان المطلق الكلّيّ هو المطبوع على قبول جميع الأخلاق، و إظهار جميع الصنائع و الأعمال، لا الإنسان الجزئيّ.
و اعلم بأن كلّ الناس أشخاص لهذا الإنسان المطلق، و هو الذي أشرنا اليه انه خليفة اللّه في أرضه منذ يوم خلق آدم أبو البشر إلى يوم القيامة الكبرى، و هي النفس الكليّة الإنسانية الموجودة في كل أشخاص الناس، كما ذكر، جلّ ثناؤه، بقوله: «ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» كما بيّنا في رسالة البعث.
و اعلم يا أخي، أيّدك اللّه بروح منه، بأن هذا الإنسان المطلق الذي قلنا هو خليفة اللّه في أرضه، و هو مطبوع على قبول جميع الأخلاق البشريّة، و جميع العلوم الانسانيّة و الصنائع الحكميّة، هو موجود في كل وقت و زمان، و مع كل شخص من أشخاص البشر، تظهر منه أفعاله و علومه و أخلاقه و صنائعه، و لكن من الأشخاص من هو أشدّ تهيؤا لقبول علم من العلوم، أو صناعة من الصنائع، أو خلق من الأخلاق، أو عمل من الأعمال؛ و الإظهار بحسب ذلك يكون.