رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٩ - فصل فيما حكاه ولي من أولياء الله عن كيفية معرفة مكائد الشياطين و محاربته معهم و مخالفته جنود إبليس أجمعين
كأنها ناقلة أجبال، و كأنها عليها أحمال ثقيلة، و رأيت حركتها عند اللهو و اللعب كأنها مجنونة والهة سكرانة؛ و رأيتها عند محبة المدح و الثناء عليها كأنها أعقل الناس و أفضلهم و أجلّهم؛ و رأيتها عند هيجان نار الحسد كأنها و يريد خراب الدنيا و زوال النّعم عن أهلها و حلول النقم بهم؛ و على هذا مثال وجدت و رأيت سائر أخلاقها الرديئة و خصالها المذمومة و أعمالها السيّئة أفعالها القبيحة و آرائها الفاسدة، فعلمت عند ذلك أن هذه كلها نيران لا تخمد حريق لا يطفأ، و أعداء لا يتصالحون، و حرب لا تهدأ و قتال لا يسكن، داء لا يبرأ و مرض لا يشفى، و عناء طويل، و شغل لا يفرغ منه إلى لموت.
فشمّرت عند ذلك بالعزم الصحيح و النيّة الصادقة، و شددت وسطي بإزار الحزم، و أخذت سلاح الاجتهاد، و ارتديت برداء الورع، و لبست نميص الحياء و تسربلت سربال الجدّ، و وضعت على رأسي تاج الزّهد في الدنيا، و أثبتّ قدمي على التقوى، و أسندت ظهري إلى اللّه بالتوكل عليه، و جعلت شعاري الخوف منه و الرجاء، و زممت قوى نفسي بالنهي، و فتحت عيني بالنظر إلى إشارة المعلّم، و جعلت دليلي حسن الظن بربي، و سلكت منهاج السّنّة، و قصدت الصراط المستقيم للقاء ربي و ناديته نداء الغريق، و دعوته دعوة المضطر، و أقررت بالعجز و التقصير، و طرحت نفسي بين يديه بلا حول و لا قوة إلّا بالله العليّ العظيم، و تضرعت إليه مثل الصبي إلى والده الشفيق الرفيق. فلما رآني ربي على تلك الحال سمع ندائي و أجاب دعائي و رحم ضعفي، و أعطاني سؤلي، و أمدّني بجنوده، و دلّني على مكايد أعدائي، فغزوتهم مع ملائكته، و أظفرني بهم و أعانني عليهم و حرسني من غرورهم و أحرزني من خطواتهم، و سلمت من خطر كيدهم، و فزت بالغنيمة سالما غانما، و ردّ اللّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، و كفى اللّه المؤمنين القتال، و كان اللّه قويّا عزيزا، و جند اللّه كانوا هم الغالبين، و حزب الشيطان