رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٨ - فصل في عظات مختلفة
العلّة، و قد أعذر من أنذر، ليهلك من هلك عن بيّنة، و يحيا من حيي عن بيّنة، و لئلا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرّسل، و ما على الرّسول إلّا البلاغ المبين.
فانظر الآن يا أخي إن كان لم يتبيّن لك بعد ما قد شرحناه من هذه الأوصاف، و لم ينبّهك من نوم الغفلة و رقدة الجهالة ما خوّلناك، و لم يشفك ما ذكرناه، و لم ينفعك ما وصفناه، فأبيت الا التغمّد و الغمرة[١] في طغيان أبناء الدّنيا المغرورين بها، الغافلين عن الآخرة الجاهلين لها، بأن تقول: لا بدّ لي من الاقتداء بهم، و مداخلتهم فيما هم فيه من الغرور، و مزاحمتهم على ما هم مزدحمون عليه، و رضيت لنفسك بالتشبّه بهم في سوء أخلاقهم، و تراكم جهالاتهم، و فساد آرائهم، و سوء أعمالهم، و قبيح أفعالهم، و سيرتهم الجائرة، و أمورهم المسيئة، و أحوالهم المتغايرة، و تصاريفهم المختلفة، و أسبابهم المتضادّة، من عداوة بعضهم بعضا، و حسد بعضهم بعضا، و بغي بعضهم على بعض، و تكبّرهم و تكاثرهم و تفاخرهم فيما هم فيه من أمور هذه الدّنيا الدّنيّة، و الاغترار بها، و ما يتكلّفونه بينهم من زخرف القول غرورا، و يتمكّنون به من الكلام خداعا، و قلوبهم مملوءة غشّا و غلّا و حسدا و كبرا و حرصا و طمعا و بغضا و عداوة و مكرا و حيلا، مثل قوم دينهم التعصّب، و اعتقادهم النّفاق، و أعمالهم الرّياء، و اختيارهم شهوات الدنيا، يتمنّون الخلود فيها مع علمهم بأنه لا سبيل إليه، يجمعون ما لا يأكلون، و يبنون ما لا يسكنون، و يؤمّلون ما لا يدركون، و يكسبون من الحرام و ينفقون في المعاصي، و يمنعون من المعروف، و يركبون كلّ منكر؛ سكارى متمرّدون، في طغيانهم يعمهون، لا يسمعون النّداء، و لا يبصرون الهدى، و لا ينجع فيهم الوعظ و لا الذّكر، و لا الأمر و لا النّهي، و لا الوعد و لا الوعيد، و لا
[١] -التغمد: من تغمّده أي غمره، و المراد: يأبى الا أن يكون متغمدا مفعورا.