رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٠ - فصل
المعاملة دون غيركم و الربّ واحد؟ قال: أمّا النعمة و الإحسان و الافضال فعموم للجميع، قد عمّتنا كلّنا، و لكن نحن خصصنا بحسن الاعتقاد و صحة الرأي و الإقرار بالحقّ و الإيمان و التسليم، فوفّقنا لمعرفة الحقائق لما أعطينا بالانقياد و الإيمان و التسليم و صدق المعاملة من محاسبة النفس، و ملازمة الطريق، و تفقّد تصاريف الأحوال الطارئة من الغيب، و مراعاة القلب بما يرد عليه من الخواطر و الوحي و الإلهام ساعة بساعة.
قال الراهب: زدني في البيان. قال: نعم، اسمع ما أقوله، و افهمه، و اعقل ما تفهم، ان اللّه، جلّ ثناؤه، لما خلق الإنسان من طين و لم يكن شيئا مذكورا، و جعل نسله من سلالة ماء مهين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم قلّبه حالا بعد حال تسعة أشهر، إلى أن أخرجه من هناك، خلق سويّا بنية صحيحة، و صورة تامة، و قامة منتصبة، و حواسّ سالمة. ثم زوّده من هناك لبنا لذيذا خالصا سائغا لذّة للشاربين حولين كاملين، ثم ربّاه و أنشأه و أنماه بفنون من لطفه و غرائب من حكمته، إلى أن بلّغه أشدّه و استوى، ثم آتاه حكما و علما، و قلبا ذكيّا، و سمعا دقيقا، و بصرا حادّا، و ذوقا لذيذا، و شمّا طيبا، و لمسا ليّنا، و لسانا ناطقا، و عقلا صحيحا، و فهما جيدا، و ذهنا صافيا، و تمييزا و فكرا و روية و مشيئة و اختيارا، و جوارح طائعة، و يدين صانعتين، و رجلين ساعيتين؛ ثم علّمه الفصاحة و البيان و الخطّ بالقلم، و الصنائع و الحرف و الزّراعة و البيع و التّجارة و التصرّف في المعاش و طلب وجوه المنافع، و اتخاذ البنيان، و طلب العزّ و السّلطان و الأمر و الرّئاسة، و التدبير و السياسة؛ و سخّر له ما في الأرض جميعا من الحيوان و النبات و المعادن، فغدا متحكّما عليها تحكم الأرباب، و متصرّفا فيها تصرّف الملاك، متمتّعا بها إلى حين. ثم أراد اللّه ان يزيده من إحسانه و فضله وجوده و إنعامه شيئا آخر أشرف و أجلّ مما عددنا و ذكرنا، و هو ما أكرم اللّه به ملائكته، و خالص عباده،