رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٣ - فصل
و يضرب بيديه، حتى يخرق المشيمة[١]، و تتقطّع تلك الأوتار و الرّباطات التي كانت تمسكه هناك، و يمكنه الخروج من الرّحم، و كذلك أفعال الفرخ بالبيضة. فهذا قياس و دليل لكل نفس تريد فراق الدّنيا و الخروج من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح، و تنبيه لها على انه ينبغي لنا أن نتحرّك و نجتهد، حتى ندفع عن أنفسنا الأخلاق الطبيعية المركوزة في الجبلة المذمومة منها، المانعة للنفوس عن النهوض و الخروج من عالم الكون و الفساد إلى عالم الأفلاك، وسعة السماوات، و معدن الأرواح، و مقرّ النفوس.
فلما كان هذا كما ذكرناه، و لم يكن في منّة[٢] إنسان أن يعقل هذا الأمر الجليل، و يفهم هذا الخطب الخطير، كان من فضل اللّه و إحسانه و إكرامه لعباده أن بعث اليهم النبيّين و المرسلين مؤيّدين، ليعلّموا الناس هذه الأمور، و يعرّفوهم هذا الخطب، و ينبّهوهم عليه، و يدعوهم اليه، و يرغّبوهم فيه، و يحثّوهم على طلبه، و يكلّفوهم الاجتهاد في نيله طوعا أو كرها. و هذه من جسيم نعم اللّه، سبحانه، على عباده، و عظيم إحسانه اليهم الذي عمّهم كلّهم، و لم يخصّ أحدهم دون الآخر. و اذ قد تبيّن بما ذكرنا أن بعض نعم اللّه تعالى و إحسانه ما هي عموم لجميع خلقه لا يخصّ واحدا دون الآخر، فنريد أن نذكر ما يخصّ منها و نبيّن كيف يكون ذلك، و من يستحقّها و يستأهلها.
فاعلم يا أخي أن من نعم اللّه و إحسانه و إكرامه ما يخصّ به خواصّ من عبيده بحسب اجتهادهم و سعيهم و حسن معاملتهم و يحرمه قوما آخرين، عقوبة لهم، إذ كان سعيهم و اجتهادهم و معاملتهم بخلاف سعي أولئك و اجتهادهم، فهذا الباب من عدله و إنصافه بين خلقه، إذ كان الإحسان اليهم و النّعم التي هي من قبله تفضّلا عليهم، تعمّهم كلّهم و التي يستحقونها بحسب سعيهم و يستأهلونها باجتهادهم لا يساوي بينهم فيها، إذ لم يكونوا متساوين في العمل.
[١] -المشيمة: محل الجنين تخرج معه عند الولادة.
[٢] -المنة: القوة.