القواعد الکلامیه - الرباني الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ١٦٢ - ٢- استحالة التكليف بما لا يطاق
جوّزتموه عقلا من تكليف المحال هل اتّفق وقوعه شرعا؟ قلنا: قال شيخنا ذلك واقع شرعا، فإنّ الربّ تعالى أمر أبا جهل بأن يصدقه و يؤمن به في جميع ما يخبر عنه، و ممّا أخبر عنه أنّه لا يؤمن، فقد أمره أن يصدقه بأنّه لا يصدقه، و ذلك جمع بين النقيضين.
و كذا ذكر الإمام الرازي في المطالب العالية، و قال أيضا: إنّ الأمر بتحصيل الإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان أمر يجمع الوجود و العدم، لأنّ وجود الإيمان يستحيل أن يحصل مع العلم بعدم الإيمان ضرورة أنّ العلم يقتضي المطابقة، و ذلك بحصول عدم الإيمان.
و قد يتمسّك بمثل قوله تعالى حكاية: رَبَّنٰا وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ (البقرة/٢٨٦ و دلالتها إمّا على الجواز فظاهر، و إمّا على الوقوع فلأنّه إنّما يستفاد في العادة عمّا وقع في الجملة لا عمّا أمكن و لم يقع أصلا.
و الجواب: أنّ المراد به العوارض التي لا طاقة بها لا التكاليف. ١
أقول: إنّ علم اللّه تعالى الأزلي بأفعال العباد و إرادته الأزلية لا ينافيان اختيارهم و سيوافيك بيانه عند البحث عن مسألة الاختيار، و أمّا تكليف أبي جهل و أبي لهب و غيرهم ممن أخبر اللّه تعالى أو أخبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم عن عدم إيمانهم، فنقول: لم يكن عدم الإيمان من متعلّقات إيمانهم بأن كلّفوا بالإيمان بعدم إيمانهم، بل كانوا مكلّفين بأن يؤمنوا بالتوحيد و الرسالة، لكنّهم استكبروا و امتنعوا عن ذلك، فأخبر اللّه سبحانه أو أخبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّ أمثال هؤلاء لا يؤمنوا و أنّهم من أصحاب النار و الإخبار عن فعل شخص أو تركه، كالعلم به لا يؤدي إلى الجبر، كما سيأتي بيانه، و إلى هذا أشار المحقّق الطوسي في الإجابة عن إشكال الرازي بقوله:
«إنّ تكليف أبي لهب إنّما كان من حيث كونه مختارا، و الإخبار عنه بأنّه لا يؤمن من حيث العلم و العلم لا ينافي الاختيار» . ٢
[١] شرح المقاصد، ص ٢٩٩-٣٠١.
[٢] تلخيص المحصّل، ص ٣٣٩، دار الأضواء.