القواعد الکلامیه - الرباني الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ١٩١ - السؤال الثالث
بالمشاكل و المصائب فيدفعان إلى المجتمع أولادا أرسخ من الجبال في مهب العواصف. و إلى هذا يشير إلى الإمام علي عليه السّلام بقوله:
«ألا و إنّ الشجرة البريّة أصلب عودا و الرواتع الخضرة أرقّ جلودا، و النابتات العذية أقوى وقودا و أبطأ خمودا» . ١
و إلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً^ إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً^ فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ^ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ (الانشراح/٥-٨ فالظاهر من السياق أنّ هذا تعليل لما تقدم من وضع الوزر و رفع الذكر، فما حمّله اللّه من الرسالة و أمر به من الدعوة-و ذلك أثقل ما يمكن للبشر أن يحمله-كان قد اشتد عليه الأمر بذلك، و كذا تكذيب قومه دعوته و استخفافهم به و إصرارهم على إمحاء ذكره، كان قد اشتدّ عليه، فوضع اللّه وزره الذي حمّله بتوفيق الناس لإجابة دعوته و رفع ذكره الذي كانوا يريدون إمحاءه و كان ذلك جريا على سنّته تعالى في الكون من الإتيان باليسر بعد العسر، فعلّل رفع الشدّة عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما أشار إليه من سنّته» . ٢
٢. إنّ التمتّع بالمواهب المادية و الاستغراق في اللذائذ الدنيوية يوجب غفلة الإنسان عن القيم الأخلاقية و الكمالات المعنوية، هذه حقيقة يلمسها كلّ إنسان في حياة نفسه و غيره، و يشهد عليها تاريخ الإنسان، كما صرّح بها الوحي الإلهي، قال سبحانه: كَلاّٰ إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَيَطْغىٰ^ أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنىٰ (العلق/٦-٧ .
فإذا لا بدّ لانتباه الإنسان من هذه الغفلة من هزّة و جرس إنذار يذكّره و يرجعه إلى الطريق الوسطى، و ليس هناك ما هو أنفع في هذا المجال من المصائب التي تقطع الحياة الناعمة بشيء من المزعجات حتى يدرك عجزه و يتنبّه من نوم الغفلة، و لأجل هذا يعلّل القرآن الكريم بعض النوازل و المصائب بأنّها تنزل لأجل الذكرى و الرجوع إلى اللّه، يقول سبحانه:
[١] نهج البلاغة، الرسالة ٤٥.
[٢] لاحظ الميزان، ج ٢، ص ٣١٥.