أحكام الستر و النظر (دليل تحرير الوسيلة الإمام الخميني) - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٨٦ - منها مقام الشهادة
و ثانياً: بأنّ بناء الشارع في الفروج على الستر و الإخفاء لئلّا ينخرق جلباب الحياء في المؤمنين و لا تشيع الفاحشة بينهم. كما نهى عنه في الكتاب العزيز بل أوعد اللَّه عليه النار بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ[١] و من هنا لم يكتف الشارع لإثبات الزنا بشهادة عدلين بل اعتبر شهادة الأربعة لأن يصعب إثباته فيبقى مخفياً مستوراً. بل أراد بذلك أن لا يتفوّه بذلك أحدٌ مهما أمكن فإنّ التفوّه بهذه الأمور من أقوى أسباب خرق جلباب الحياء بين المؤمنين. و لا سيّما الفاعل، فإنّه يجترئ بذلك على العود إلى ارتكاب الفواحش هذا مضافاً إلى ما يدخل في قلب الناظر و ينقذ في سُدى وجوده و لحمته من الرجس و الإثم و الأثر السيّئ بمشاهدة فعل الزنا و استدامة النظر إلى فرج الزانيين كمشاهدة دخول الميل في المكحلة. فمن البعيد جدّاً أن يجوّزه الشارع أو يأمر به لغرض إقامة حدّ الزنا.
بل من الواضح أنّ ذلك نقص لغرض من إقامة هذا الحد. و لأجل ذلك شدّد الشارع الأمر في إثبات الزنا باعتباره شهادة الأربعة و إيجاب حدّ القذف على المدّعى لو لم يأتِ بأربعة شهداء و لو رأى بعينه. فلم يُجزه الشارع أن يتفوّه بنسبة الزنا إلى أيّة امرأة بسهولة.
و من هنا كان قبول تشريع هذا الحكم شاقّاً على بعض أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) فتعجّبوا من نزول الوحي على النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) في ذلك، بل اعترض بعضهم على النبي عند ما نزل قوله تعالى وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ[٢] كما نقلت
[١] سورة النور/ الآية ١٩.
[٢] سورة النور/ الآية ٤.