أحكام الستر و النظر (دليل تحرير الوسيلة الإمام الخميني) - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٦٤ - مقتضى التحقيق في المقام
تحريم إمعان النظر و الغور فيه. و لا سيّما بلحاظ معتبرة سعد الإسكاف[١] الواردة في مورد نزول هذه الآية و قد سبق ذكرها و بيان مفادها آنفاً. وجه الدلالة أنّه و إن يشكل دعوى كون نظر الشاب الأنصاري عن شهوة و ريبة لوضوح أنّه لم يكن يرى حينئذٍ لنفسه جرأة الشكوى إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) بلحاظ ما كان يحسّه من الذنب الذي ارتكبه فان الآثم مورد لملامة نفسه اللوّامة دائماً، و مع ذلك كيف يرى لنفسه استحقاقاً للشكوى إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) بل الظاهر أن نظره كان عن تحدّق و إمعان فلذا جذبه جمال المرأة و جرّه إلى داخل الزقاق، و إلّا فالنظر الآنيّ المسامحي الذي لا يتأمّل فيه الناظر بل يُعرض عنه من دون مكث و توقُّف فيه لم يكن موجباً لإثارة شهوته و غفلته ليجرّه إلى الزقاق فيشقّ وجهه باعتراض عظم في الحائط.
و الوجه فيه: أنّ الإمعان في النظر و التحدُّق في وجه المرأة هو الذي يوجب انطباع صورة وجهها بما له من الخصوصيات و المحاسن في ذهن الناظر فيوجب ذلك بعداً عند توجّهه التفصيلي إلى تلك الخصوصيات إثارة شهوته و بهذا الاعتبار ورد في صحيح الكاهلي أنّ النظرة بعد النظرة تزرع الشهوة في القلب. فما دام لم يكن النظر إلى وجه المرأة عن إمعان و غور لا يستتبع أثراً سيّئاً في نفس الناظر.
و عليه فالذي يستفاد حرمته من الآية إنّما هو إمعان النظر بتأمّل و دقّة في خصوصيات وجه المرأة.
و هو و إن كان غالباً بتكرار النظر و لكن وقوعه بالنظرة الاولى بمكان من الإمكان بل يمكن القطع بأن ملاك المنع هذه الخصوصية. فإنها توجب إثارة الشهوة المبتني على دفعها الأمر بغض البصر عن الأجنبية في الآية و النهي عن النظر إليها في النصوص و من الواضح أنّها ربّما تتحقق في النظرة الأُولى أيضاً. و على ذلك تُحمل
[١] الوسائل/ ج ١٤ ص ١٣٨ ب ١٣٤ من أبواب مقدمات النكاح ح ٤.