نقد الآراء المنطقية و حل مشكلاتها - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٤٠ - البرهان على بداهة بعض التصورات والتصديقات
وبعبارة أخرى أن كاسب التصور إما ذاتي أو عرضي ولابد وأن يكون محمولًا على الشيء. ولا يخفى ما فيه فإن مدعي كسب التصور من التصديق يمنع اشتراط الحمل في الكاسب كيف و ابن سينا قد جوز التعريف بالأجزاء الخارجية- إن قلت:- إن التصديق بالنتيجة يكتسب من التصورات لأنه موقوف على القياس والقياس موقوف على القضايا والقضايا موقوفة على تصور الموضوع والمحمول. قلنا: إن التصديق بالنتيجة إنما اكتسب من التصديق بالصغرى والكبرى وكون التصديق بهما موقوفاً على تصور الموضوع والمحمول لا يوجب اكتسابه منهما.
وثالثاً: إن الخصم الذي يدعي نظرية جميع التصورات والتصديقات له أن يقول: إن الشرطية وبطلان اللازم وأطرافهما كلها نظرية فيحتاج في معرفتها إلى الدور والتسلسل وهما محالان فتكون مقدمات هذا الاستدلال مجهولة لنا ومع الجهل بها فلا يصح الاستدلال بها على المدعى.- وجوابه- إن نفس حكمه بأن هذه المقدمات نظرية لا بد فيه من تصور أطرافه والتصديق بالنسبة الموجودة فيه وحينئذ فإن كانت بديهية فقد ثبت المطلوب وهو أن بعض التصورات والتصديقات بدهي وإلا فلابد أن ينتهي هذا الحكم إلى أمرٍ بديهي عنده وإلا اكتسبه مع أنه قد قيل: بأن هذه المقدمات معلومة لنا بلا شبهة فيتم الاستدلال بها قطعاً. ولا يخفى أنه للمكابر أن يمنع من معلوميتها وحينئذ فليس للمستدل إلا السكوت.
ورابعاً: إنه يجوز أن تنتهي سلسلة الكسب في التصورات إلى علمٍ حضوري تصوري وفي التصديقات إلى علم حضوري تصديقي والعلم الحضوري لا يحتاج إلى كسب.- وجوابه- إنه بذلك يثبت المدعى إذ المدعى وجود علم بديهي يرجع إليه عند إرادة كسب العلم النظري نعم لو قلنا بمقالة المشهور من أن الحضوري لا يتصف بالبداهة ولا النظرية أو أنه ليس من العلم المنقسم إلى التصور والتصديق كان الإيراد محكماً إلا أن يمنع اكتساب التصور والتصديق الحصوليين من الحضوريين لعدم السنخية ولا يخفى ما فيه فإن السنخية موجودة وهو كون كل منهما من نوع واحد من تصور أو تصديق.
وخامساً: إن الأشياء يجوز أن تكون جميعها نظرية ولا يلزم الدور ولا التسلسل عند الاكتساب لجواز انتهاء سلسلة الاكتساب إلى التصور بوجه ما فإن كل شيء إذا توجه له العقل يتصوره بوجه ما ولو بكونه شيئاً أو ممكناً إلى غير ذلك من المفاهيم العامة.- وجوابه- إنا ننقل الكلام إلى ذلك الوجه إذ لابد وأن يكون متصوراً وإلا لما تصور به غيره فإن كان بديهياً فهو المطلوب من ثبوت أن البعض بديهي وإن كان نظرياً لزم الدور أو التسلسل.
وسادساً: أن الدور و التسلسل فرع إمكان النظر مع أنه تقدير نظرية الكل لا يمكن حصول النظر لأن الحركة الفكرية حركة اختيارية فلا بد من تصورها بوجه ما والتصديق بفائدتها وعلى تقدير نظرية الكل يكون تصورها بوجه ما والتصديق بفائدتها نظريين فننقل الكلام إليهما وهكذا.- وجوابه- إنا لو سلمنا أن الحركة الفكرية تحتاج إلى التصور بوجه ما والتصديق بالفائدة ولم نذهب إلى ما ذكره بعضهم من أنها اختيارية. أو ان اختياريتها بنفسها ويقتضيها حب الاستطلاع فلنا أن نقول بأن الدليل إنما ذكر لزوم الدور والتسلسل على تقدير الحركة الفكرية وهي تستلزم إمكان النظر إذ مع عدم إمكانه والكل نظري لزم تعطيل الذهن وهو خلاف الوجدان.
وسابعاً: إن أردتم بلزوم استحضار ما لا نهاية له على تقدير نظرية الكل استحضاره دفعة واحدة فغير مسلم فإن الأفكار علل معدة لحصول المطلوب والمعدات لا يلزم أن تجتمع في الوجود دفعة واحدة كالخطوات المعدة للوصول للمطلوب وإن أردتم استحضارها في أزمنة