المدخل الى الشريعة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٥ - وجه الحاجة إلى تشريع إلهي
إلى الوازع الديني والرادع الإلهي، ولكن روحهم الإلحادية لا تتركهم يتدانون للحق فيعترفوا إن غير الدين لا يمكن أن يكون رادعاً تلك الغريزة الحيوانية وليست الأحكام المدنية والقواعد الأخلاقية كافية لدوام نظام المجتمع والحالة إن الإنسان مفطور على حب نفسه واستئثارها على غيره بفواتن الحياة ولذائذها وسواحرها ولا يتحاشى عن أضرار الناس متى ما رأى نفسه بعيدة عن مراقبة القانون ما لم يكن يشعر بمراقبة غيبية قدسية تطلع على مستسر سره ومكنونات نفسه أينما وجد وأينما حل، وهذا لا يتوافر لنا ما لم نحي بالإنسان الغريزة الاعتقادية والإيمان بالمراقبة الإلهية والخوف الشديد من تجاوزه على شريعته الدينية. ولعل خير شاهد ودليل على ذلك هو أنك لو فتحت دفاتر الجرائم في محاكم العدل في سائر الدول الكبيرة والصغيرة لا تجد في المجرمين من المؤمنين واحداً من ألف، وهذا الاستقراء أدل دليل على محاربة العاطفة الدينية للإجرام وموجباته وأسبابه.
إن عدم إدراك الشعوب للقيم الروحية وعدم التفات حكومتها لمحاسن الثقافة الدينية جعلها بعيدة عن هذه الناحية فسنت قوانين صارمة وفتحت المدارس والجامعات ولو أنفقت البعض من ذلك على إضافة الثقافة الدينية إلى الثقافة العلمية لكان خيراً لها وأحسن سبيلًا حيث بها تنتشل الإنسانية من غمرات الحروب ولهواتها وتبعدها عن مأساة الشرور وآلامها وتنصرف للصالح العام والنفع التام وتجعلهم أخواناً على سرر متقابلين قد تناسوا الفوارق بأنواعها. ولا أعني بالثقافة الدينية هو مجرد اللقلقة اللسانية والتقاليد المتبعة، وإنما أعني بها تركيز العقيدة الدينية في النفوس بحيث تلتهب بها العاطفة وتلتاط بالضمائر والدخائل ويبذل فيها النفس والنفيس بعد الشعور بأنها التحفة الملكوتية التي ضمنت للعالم الإنساني سعادة الدارين وخير النشأتين.
وربما يتخيل المتخيلون إن الدين يصطدم بالعلم الحاضر، ولكن الأمر بالعكس فإِن العلم قد أزال كثيراً من الحجب الكثيفة عن حقائق الدين، وإن على هذا الكلام أصحّ شاهد، هذه الأمة العربية كانت بلادها قاحلة وهي على شظف من