المدخل الى الشريعة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٣ - حاجة الناس إلى التشريع
جامحة عجز العقل عن كبحها أعقبتها شرور وآثام.
ومن هنا كان لابد للعقل من معين يسانده حتى تتغلب قوة الخير أو في الأقل تتعادل القوتان، ويصبح الإنسان- بحق- خليفة الله في أرضه يقيم حدوده ويرعى محارمه. وهذا المعين هي القوانين التي تميّز الخير من الشر، ويبين كل فرد ما له من حقوق وما عليه من واجبات.
والقوانين الوضعية مهما ارتقت لا تحقق ذلك على أكمل وجه لأنها نتاج الفكر الإنساني، وقد عجز العقل البشري عن مقاومة الشر، ولا أدل على هذا من كثرة التعديل والتغيير فيها لتلافي عيوبها وسد الثغرات التي تتكاثر في بنائها كلما طال زمن تطبيقها. ويرجع ذلك إلى تفاوت العقول البشرية في إدراكها للأمور واختلاف مقاييس الخير والشر في نظرها، وقصر إدراكها لحقائق الأشياء الغامضة وعدم استطلاعها لكشف ما يجيء به المستقبل من أحداث، وعدم عصمتها من الاندفاع وراء الشهوات، وأخيراً خلوها من عنصري الدين والأخلاق الذين يرجع إليهما الفضل في تهذيب النفوس، وبهما يعم تنظيم ظاهر الإنسان وباطنه.
ولهذا كله كان الإيمان بتلك القوانين الوضعية ضعيفاً، والخضوع لها منشؤه الخوف من الوقوع تحت طائلة العقاب، فإذا أمن المرء جانبه لم يكن في نفسه أثر لهيبة ولا احترام، ولم يكن بد من الرجوع إلى القانون السماوي الذي يملك على الناس مشاعرهم باطنهم وظاهرهم على حد سواء، حتى يقع الامتثال له عن رضا ورغبة لا عن خوف ورهبة، ولن يكون إلَّا من صنع خالق البشر العليم بأسرار
النفوس وخفاياها، وأسرار المستقبل وما يجيء به من أحداث.
والله سبحانه الذي خلق الإنسان وجعله خليفته في أرضه ليعمرها إلى حين يحاسبه على ما قدّمت يداه فيجازيه على ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر. لا يترك هذا الإنسان من دون تشريع ينظم حياته ويقيم العدل بين أفراده، وكيف يتركه وهو الحكيم الخبير البرِّ الرحيم بعباده.