المدخل الى الشريعة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٢ - حاجة الناس إلى التشريع
تمهيد
التشريع والمجتمع:
التشريع مأخوذ من الشريعة. ويراد به سن الشرائع والأحكام. كما أن شَرَع معناه أنشأ الشريعة وسنَّ قواعدها. ومنه قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، وقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ.
والشريعة هي جملة أحكام مجعولة، فإن كان مصدرها السماء بأن نزل بها الوحي سميت شريعة سماوية، وإن كانت من وضع البشر سميت شريعة وضعية.
والشرائع أياً كانت نوعها سماوية أو وضعية لا توجد إلَّا حيث يوجد المجتمع البشري، لأن المجتمع يعيش بروابط بين أفراده، وهذه الروابط تحتاج إلى قوانين تنظمها، فإذا لم يوجد المجتمع انعدمت الروابط، وإذا انعدمت الروابط لم تكن ثمة حاجة إلى القانون، ولذلك أتفق العلماء على أن تاريخ الشرائع مصاحب لتاريخ العمران في هذا الوجود، لأنه لا عمران إلَّا باجتماع، ولا اجتماع إلَّا باتفاق على طريقة توزيع العيش، ولا اتفاق إلَّا بقواعد تحدد حقوق كل فرد وواجباته، وهذه القواعد لا تحقق الغرض المقصود منها إلَّا إذا وجدت سلطة تقررها وتحافظ عليها.
حاجة الناس إلى التشريع:
الإنسان في حياته محتاج إلى التشريع، لأنه خلق ومعه قوتان متنازعتان قوة الشهوة التي تدفعه إلى الشر، فيتجاوز حدوده بانتهاك الحرمات والاعتداء على الغير، وقوة العقل التي تدعوه إلى الخير، فيسير في الطريق المستقيم معتدلًا في كل شيء، والعقل وحده لا يستطيع مقاومة الشهوة، لأن الدنيا مَلأى بالمغريات التي تثير في النفوس عوامل الشر، فيندفع الإنسان إلى تحقيق رغباته التي لا تقف عند حد، والتاريخ أصدق شاهد على ذلك، فكم من حوادث وقعت أثارتها شهوة