المدخل الى الشريعة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٤ - وجه الحاجة إلى تشريع إلهي
يقول جلَّ شانهُ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ، وقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
والمعنى: لا نعذّب أمة من الأمم إلَّا بعد بعث الرسل إليهم وقيام الحجة عليهم.
نشوء الشرائع الوضعية:
إن الشرائع الوضعية أو القوانين في المجتمعات البشرية البدائية تتكون تدريجياً في صورة عادات وأعراف ثم ترتقي حياة الأمة ومداركها ومعارفها وتصبح لها سلطة حاكمة وسيادة تلجأ إلى تقنين تلك العادات والأعراف وتجعل منها نظاماً آمراً في أعمال الناس ومعاملاتهم وعلاقاتهم. فيحل القانون محل تلك العادات وينسخ اعتبارها، فيلغي منها ما يرى غير صالح، ويثبت ما يرى صالحاً، وتصبح العبرة لنصوص القانون وروحه ومقاصده المقننة.
وجه الحاجة إلى تشريع إلهي:
إن الإنسان بوضعه الفردي أو وضعه الاجتماعي مفطور على حب الذات والإيثار لها على الغير مهما بلغ من درجات الرقي والكمال، وهذا الحب وإن جرَّ للإنسان الخير وجعله طالباً للسعادة والهناء إلَّا أنه لا يزال يدفعه للتغلب على الغير والسيطرة على مقدرات الحياة فتجد الفرد يسابق الآخر ليكسب المغنم لنفسه دون غيره، وتجد الأمة تطاول الأخرى لتفوز بالفائدة لذاتها دون من سواها، وما الصراع القائم بين الأمم في هذا الزمن الذي كاد أن يضرم البشرية بنار يفنى فيها الصغير والكبير ويلتهب بها اليابس والأخضر إلَّا نتيجة لحب الأمم لذاتها ولا تستطيع أشد القوانين المدنية الصارمة مهما صقلتها العقول أن تقف دون هذه النزعة النفسية التي تؤدي إلى أشد الويلات على البشرية ما لم يكن الرادع فطرياً مثلها يغزوها في وكرها ويقضي عليها في مستقرها وليس هو إلَّا العقيدة الدينية المتركزة في النفوس فإنها هي التي تصرعها في مغرسها وتغتالها في وكرها ومعرّسها وتسيّرها نحو السعادة البشرية بأحسن طرقها. وإن كثيراً من الملحدين قد أدركوا هذه الحاجة