التهذيب في مناسك العمرة و الحج - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٩٢ - (مسألة ٢) تجزئ العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة بالإجماع و الأخبار
فتجب بأصل الشرع على كل مكلّف بالشرائط المعتبرة في الحج في العمر مرّة، (١) بالكتاب و السنّة و الإجماع، ففي صحيحة زرارة: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج فإنّ اللَّه تعالى يقول وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ، و في صحيحة الفضيل في قول اللَّه تعالى وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ قال (عليه السّلام): «هما مفروضان».
و وجوبها بعد تحقّق الشرائط فوري كالحج، و لا يشترط في وجوبها استطاعة الحج، بل تكفي استطاعتها في وجوبها و إن لم تتحقّق استطاعة الحج، كما أنّ العكس كذلك فلو استطاع للحج دونها وجب دونها، و القول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما و أنّهما مرتبطان ضعيف، كالقول باستقلال الحج في الوجوب دون العمرة.
[ (مسألة ٢) تجزئ العمرة المتمتّع بها عن العمرة المفردة بالإجماع و الأخبار]
(مسألة ٢) تجزئ العمرة المتمتّع بها عن العمرة المفردة بالإجماع و الأخبار (٢)، و هل تجب على من وظيفته حج التمتّع إذا استطاع لها و لم يكن مستطيعاً للحج؟ المشهور عدمه، بل أرسله بعضهم إرسال المسلمات، و هو الأقوى، و على هذا فلا تجب على الأجير بعد فراغه عن عمل النيابة و إن كان مستطيعاً لها و هو في مكّة، و كذا لا تجب على من تمكّن منها و لم يتمكّن من الحج لمانع، و لكن الأحوط الإتيان بها.
(١) بلا خلاف بين الأصحاب و يدل عليه غير واحد من الروايات منها صحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر ع في حديث قال العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج لأن الله تعالى يقول وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ (٢) لا خلاف بين الأصحاب في أجزاء عمرة التمتع عن العمرة المفردة، و يدلّ عليه الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السّلام) كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة»[١]. و في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «قلت: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أ يجزي ذلك عنه؟ قال: نعم»[٢]. و صحيحة يعقوب بن شعيب قال: «قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السّلام) في قول اللَّه سبحانه وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ يكفي الرجل إذا تمتّع بالعمرة إلى الحج مكان تلك العمرة المفردة؟ قال: كذلك أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) أصحابه»[٣] إلى غير ذلك ممّا لا مجال للمناقشة فيها سنداً أو دلالة.
و أمّا من لم يكن مستطيعاً للحج و لم يجب عليه حج التمتع، و كان مستطيعاً بالإضافة إلى العمرة المفردة فقط، فهل تجب عليه العمرة المفردة كمن استطاع في عصرنا الحاضر في غير أشهر الحج للعمرة، و كما في الأجير للحج عن الغير بعد فراغه عن الحج النيابي؟ فالمشهور عند الأصحاب عدم وجوبها كما هو مختار الماتن أيضاً، و إنْ ذكر أنّ الإتيان بها أحوط، و ربّما قيل بوجوبها في الفرض بدعوى إنّ ما تقدّم من الأخبار في أنّ العمرة و الحج مفروضان، و أنّ العمرة واجبة على الخلق، و أنّها بمنزلة الحج مقتضاها وجوبها على كل مكلف إذا استطاع لها كوجوب الحج عليهم إذا استطاعوا له، غاية الأمر أنّ الآفاقي إذا استطاع لحج التمتع تكون عمرة التمتع مجزية، بل يكون الواجب في حقه عمرة التمتع دون المفردة، و يبقى غير هذا الفرض تحت إطلاقاتها، و لكن لا يخفى أنّ العمرة الواردة في الروايات المتقدمة الدالة على وجوبها لم تقيّد بكونها عمرة مفردة، و إنّما استفيد كونها مفردة لظهور تلك الأخبار في الوجوب الاستقلالي المستفاد من إطلاقها، و إذا قام الدليل على دخول عمرة التمتع في الحج يرفع اليد عن ظهورها الإطلاقي بالإضافة إلى الآفاقي، حيث إنّ عمرة التمتع داخلة في إطلاق العمرة، فتجب إذا استطاع للحج، فتكون جزءً من الحج، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لأنّ اللَّه تعالى يقول فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فليس لأحد إلّا أن يتمتع، لأنّ اللَّه أنزل ذلك في كتابه و جرت به السنة من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم)[٤]، و نحوها غير واحد من الروايات.
و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السّلام) قول اللَّه (عزّ و جلّ) من كتابه ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قال: يعني: أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية و أربعين ميلًا ذات عرق و عسفان كما يدور حول مكة، فهو ممّن دخل في هذه الآية و كل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة»[٥]، فإنّ ظاهر هذه أنّ من كان أهله وراء الحد فعليه في عمرته و حجه التمتع، و المفروض أنّ الآية ناظرة إلى بيان الفريضة من العمرة و الحج، و لو كان الواجب على الآفاقي مع استطاعته للعمرة المفردة الإتيان بها إذا لم يكن مستطيعاً للحج لأشير إلى ذلك، و لو في بعض الروايات الواردة في الأجير الصرورة على الحج عن الغير بأنّ عليه بعد الفراغ عن الحج النيابي الإتيان بالعمرة المفردة لاستطاعته له، و لا ينافي ما ذكرنا ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) من قوله «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج لأنّ اللَّه تعالى يقول وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ و إنّما نزلت العمرة بالمدينة»[٦]، حيث إنّ نزول العمرة في المدينة لا ينافي وجوب عمرة التمتع على أهلها.
غاية الأمر ورد بيان ذلك فيما بعد على ما دلّت الروايات الواردة في أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) النّاس بالإحلال بعد فراغهم من السعي بين الصفا و المروة.
[١] الوسائل: ج ١٤، الباب ٥، ص ٣٠٥.
[٢] الوسائل: ج ١٤، الباب ٥، ص ٣٠٥.
[٣] الوسائل: ج ١٤، الباب ٥، ص ٣٠٦.
[٤] الوسائل: ج ١١، الباب ٣، ص ٢٤٠.
[٥] الوسائل: ج ١١، الباب ٦، ص ٢٥٩.
[٦] الوسائل: ج ١٤، الباب ١، ص ٢٩٥.