التهذيب في مناسك العمرة و الحج - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ١٩٢ - (مسألة ٢٧) لو نذر الحج راكبا انعقد و وجب و لا يجوز حينئذ المشي و إن كان أفضل
[ (مسألة ٢٦) إذا نذر المشي في حجّه الواجب عليه أو المستحب انعقد مطلقاً]
(مسألة ٢٦) إذا نذر المشي في حجّه الواجب عليه أو المستحب انعقد مطلقاً (١). حتّى في مورد يكون الركوب أفضل، لأنّ المشي في حد نفسه أفضل من الركوب بمقتضى جملة من الأخبار، و إن كان الركوب قد يكون أرجح لبعض الجهات، فإنّ أرجحيّته لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حد نفسه، و كذا ينعقد لو نذر الحج ماشياً مطلقاً و لو مع الإغماض عن رجحان المشي، لكفاية رجحان أصل الحج في الانعقاد، إذ لا يلزم أن يكون المتعلّق راجحاً بجميع قيوده و أوصافه، فما عن بعضهم من عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل لا وجه له، و أضعف منه دعوى الانعقاد في أصل الحج لا في صفة المشي فيجب مطلقاً، لأنّ المفروض نذر المقيّد، فلا معنى لبقائه مع عدم صحّة قيده.
[ (مسألة ٢٧) لو نذر الحج راكباً انعقد و وجب و لا يجوز حينئذ المشي و إن كان أفضل]
(مسألة ٢٧) لو نذر الحج راكباً انعقد و وجب و لا يجوز حينئذ المشي و إن كان أفضل، لما مرّ من كفاية رجحان المقيّد دون قيده، نعم لو نذر الركوب في حجّه في مورد يكون المشي أفضل لم ينعقد، لأنّ المتعلّق حينئذ الركوب لا الحج راكباً، و كذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ في كل يوم أو فرسخين، و كذا ينعقد لو نذر الحج حافياً، و ما في صحيحة الحذاء من أمر النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) بركوب أخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت اللَّه حافية قضية في واقعة يمكن أن يكون لمانع من صحّة نذرها من إيجابه كشفها أو تضرّرها أو غير ذلك.
(١) حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) في المسألة و المسالة الآتية إنه إذا تعلق نذره بالحج ماشياً أو بالحج راكباً فلا ينبغي التأمل في انعقاد نذره، لأن المنذور في الفرضين الحج المقيد، و يكفي في الانعقاد أن يكون المقيد راجحاً و لو بانطباق الطبيعي الراجح عليه، و لا يتعلق في الفرضين تعلق النذر بنفس القيد، ليلاحظ رجحان القيد و عدمه في انعقاده، و أما إذا تعلق نذره بالمشي في الحج الواجب عليه أو المندوب بان كان مفاد نذره للَّه على المشي في حجي، فأيضاً ينعقد النذر حتى بالإضافة إلى الموارد التي يكون الركوب فيها راجحاً بملاحظة بعض الجهات ككونه أقوى للإتيان بالمناسك. و ذلك فان المعتبر في انعقاد النذر ان يكون متعلقه راجحاً في نفسه، و إن كان غيره بملاحظة بعض الجهات أرجح، و لكن تعرض في المسألة الآتية لنذر الركوب في حجة، و ذكر ان نذره في مورد يكون المشي أفضل لا ينعقد، و ربما يؤخذ بظاهر عبارته و يقال كيف لا ينعقد نذر الركوب، فإنه يكفي في انعقاد النذر رجحان متعلقه في نفسه، و إن يكون غيره أرجح منه كما تقدم. فينذر المشي و لكن مراده (قدّس سرّه) أنه لا فضيلة في الركوب في نفسه بل الرجحان في المشي. نعم في بعض الموارد يكون الركوب أفضل من المشي فينعقد فيما نذره. و لا يصح نذره في غيرها لعدم الرجحان في متعلقه، و قد يستظهر كون الركوب في نفسه أيضاً راجحاً ببعض الاخبار، كمعتبرة رفاعة قال: «سأل أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) رجل: الركوب أفضل أم المشي؟ فقال: الركوب أفضل من المشي، لأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) ركب»[١]. و مصححة سيف التمار، قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السّلام) «إنه بلغنا و كنا تلك السنة مشاة عنك انك تقول في الركوب. فقال: الناس يحجون مشاة و يركبون، فقلت: ليس عن هذا أسألك. فقال: عن أي شيء تسألني؟ فقلت: أي شيء أحب إليك نمشي أو نركب؟ فقال: تركبون أحب الي، فان ذلك أقوى على الدعاء و العبادة»[٢]. و فيه ان ظاهر الاولى كون الركوب أفضل من المشي مطلقاً. و هذا مخالف للروايات الدالة على أفضلية المشي. فلا بدّ من حملها على موارد رجحان الركوب لجهة أخرى كالتي ذكرها (عليه السّلام) في الثانية من التقوّي على الدعاء و العبادة، و لا يبعد ان يكون ركوب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) ايضاً لجهة تسهيل الحج للناس بان لا يتكلفوا باختيارهم المشي ليكون صعوبته موجباً للترك من بعض الناس، فقد ظهر مما ذكر أنّه لو نذر الحج ماشياً ينعقد نذره حتى مع الإغماض عن مطلوبية المشي إليه في نفسه، لما تقدم من ان انطباق الطبيعي على المنذور مع كونه هو المقيد، كاف في انعقاده. فلا يعتبر ان يكون المقيد بتمام قيوده راجحاً، و ما ذكره بعض من عدم الانعقاد في موارد كون الركوب أفضل من المشي غير صحيح. كما أن دعوى انعقاد النذر بالإضافة إلى أصل الحج دون قيوده أضعف. لأن المفروض كون المنذور الحج المقيد فان صح النذر يجب الوفاء به و إلا بطل، بل تقدم انعقاد النذر إذا كان المنذور المشي في حجه لكون المشي في نفسه راجحاً. نعم قد يستظهر من بعض الروايات ان نذر المشي حافياً في حجة لا يصح. كصحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) «عن رجل نذر ان يمشي إلى مكة حافياً. فقال: ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) خرج حاجّاً فنظر إلى امراة تمشي بين الإبل. فقال: من هذه فقالوا أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى مكة حافية فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) يا عقبة انطلق إلى أختك فمرها فتركب فان اللَّه غني عن مشيها و حفاها قال: فركبت»[٣]. و قد ذكر الماتن أنها واردة في واقعة واحدة يمكن ان يكون عدم انعقاد نذرها لمانع من إيجاب الوفاء به موجباً لانكشافها أو تضررها أو غير ذلك، و لكن لا يخفى ان ذكرها من جهة الاستشهاد على الجواب للسؤال الوارد فيها و حملها على أنها واقعة خاصة لا يكون جواباً عنه. و الصحيح إنّه بعد البناء على مرغوبية المشي في حجه يكون نذر المكلف المشي حافياً فيه صحيحاً لما تقدم من كفاية رجحان الطبيعي في نذر المقيد، و إن لم يكن قيده راجحاً. و أما الصحيحة فلا يوجب رفع اليد عن إطلاق وجوب الوفاء بالنذر، لأن صحيحة رفاعة و حفص المروية في باب ٨ من أبواب النذر دالة على انعقاد نذر المشي في الحج حافياً تعارضها. قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن رجل
نذر ان يمشي إلى بيت اللَّه حافياً، قال: فليمش فاذا تعب فليركب»[٤].
[١] الوسائل: ج ١١، الباب ٣٣ من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث ١ و ٢ و في التهذيب: ٥/ ١٢/ ٣١.
[٢] الوسائل: ج ١١، الباب ٣٣ من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث ٥ و في التهذيب، ٥/ ٢١/ ٣٢.
[٣] الوسائل: ج ١١، الباب ٣٤ من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث ٤ و في التهذيب: ٥/ ١٣/ ٣٧ و الاستبصار: ٢/ ١٥٠/ ٤١٩.
[٤] الوسائل: ج ١١، الباب ٣٤ من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث ١٠ و في نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى، ٤٧/ ٨١.