التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٤
وثانيهما : إطلاق موثقة عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : "سئل عما تشرب منه الحمامة ؟ فقال : كل ما اُكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب ، وعن ماء شرب منه باز ، أو صقر ، أو عقاب ؟ فقال : كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه ، إلاّ أن ترى في منقاره دماً ، فان رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه ولا تشرب"[١] لأن الدم الواقع في كلامه (عليه السلام) مطلق فيستكشف من حكمه بعدم جواز الوضوء من الماء في مفروض السؤال ، نجاسة الدم على اطلاقه .
وقد يقال : الرواية غير واردة لبيان نجاسة الدم حتى يتمسك باطلاقها ، وإنما هي مسوقة لاعطاء ضابط كلي عند الشك في نجاسة شيء وطهارته وأن نجاسة المنقار ومنجسيته للماء القليل تتوقفان على العلم بوجود النجاسة فيه .
يدفعه : أنها غير واردة لاعطاء الضابطة عند الشك في نجاسة شيء ، لأ نّها تقتضي الحكم بطهارة الماء في مفروض السؤال حتى مع العلم بوجود الدم في منقار الطيور سابقاً من دون أن يرى حال ملاقاته للماء ، مع أن الضابط المذكور يقتضي الحكم بنجاسة الماء حينئذ للعلم بنجاسة المنقار سابقاً .
فالصحيح أن يقال : إن الرواية إما وردت لبيان عدم تنجس بدن الحيوان بالنجاسات ـ كما هو أحد الأقوال في المسألة ـ ومن هنا حكم (عليه السلام) بطهارة الماء عند عدم رؤية الدم في منقاره ولو مع العلم بوجوده سابقاً لطهارة المنقار على الفرض ، وأما مع مشاهدة الدم في منقاره فنجاسة الماء مستندة إلى عين النجس لا إلى نجاسة المنقار ، وإما أنها مسوقة لبيان طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه وإن كان يتنجس بالملاقاة كما هو المعروف ، وإما أنها واردة لبيان عدم اعتبار استصحاب النجاسة في الحيوانات تخصيصاً في أدلة اعتباره كما ذهب إليه بعض الأعلام .
وكيف كان فدلالة الرواية على نجاسة الدم غير قابلة للانكار ، ولا نرى مانعاً من التمسك باطلاقها . وليست الرواية من الكبرى المسلمة في محلها من أن الدليل إذا كان بصدد البيان من جهة ولم يكن بصدده من جهة اُخرى لا يمكن التمسك باطلاقها إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] الوسائل ١ : ٢٣٠ / أبواب الأسآر ب ٤ ح ٢ ، وورد قطعة منها في الوسائل ٣ : ٥٢٧ أبواب النجاسات ب ٨٢ ح ٢ .