التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١٠٣
فهذه الأخبار قد دلّتنا على أنّ العصير المطبوخ الذي يستند غليانه إلى النار ـ دون مطلق العصير المغلي ـ إذا ذهب عنه ثلثاه وبقي ثلثه فلا بأس به ، ولا دلالة في شيء منها على عدم البأس في مطلق العصير المغلي إذا ذهب عنه ثلثاه ، فمن ذلك يظهر أن ذهاب الثلثين محلل للعصير الذي استند غليانه إلى الطبخ بالنار ولا نجاسة فيه أبداً وأمّا ما استند غليانه إلى نفسه ـ ولو بمعونة أمر خارجي غير منفرد في الاقتضاء كالشمس وحرارة الهواء ـ فذهاب الثلثين فيه لا يكون موجباً لحليته ولا مزيلاً لنجاسته ، فبذلك نبني على أن العصير إذا غلى بنفسه فهو نجس محرّم شربه ولا يرتفع شيء من نجاسته وحرمته إلاّ بانقلابه خلا كما هو الحال في الخمر ، وسرّه أنّ الغليان في الطائفة الاُولى من الروايات ـ وهي الأخبار المشتملة على حرمة العصير أو نجاسته بغليانه ـ لم يذكر له سبب ، وكلّ وصف لشيء لم يذكر استناده إلى سبب فالظاهر أنه مما يقتضيه نفس ذلك الشيء بمادّته .
وعليه فالروايات ظاهرة في أنّ الغليان المنتسب إلى نفس مادة العصير ـ ولو بمعونة أمر خارجي ـ هو الذي يقتضي نجاسته دون الغليان المنتسب إلى النار ، وبهذا صحّ التفصيل المتقدم ذكره ، ومعه لا وجه لما عن المحقق الهمداني وغيره من عدم استناد ذلك إلى دليل ، حيث ذكر المحقِّق المذكور ـ بعد نقله التفصيل المتقدِّم ذكره عن ابن حمزة في الوسيلة ـ أنه لم يعلم مستنده [١] .
ودعوى: أنّ هذه النكتة في الروايات ـ ذكر السبب وعدمه ـ قضيّة اتفاقية لا يناط بها الحكم الشرعي ـ كما عن بعض معاصريه ـ مندفعة بأنّ النكات والدقائق التي أعملها الأئمة (عليهم السلام) في كلماتهم مما لا مناص من أخذها كما يجب الأخذ بأصلها [٢] . هذه خلاصة ما أفاده (قدس سره) في الأمر الأول من استدلاله بعد ضم بعض كلماته ببعض وزيادة منّا لتوضيح المراد .
ولكن لا يمكننا المساعدة على هذه الدعوى بوجه، لأنها مما لا أصل له حيث إنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] مصباح الفقيه (الطهارة) : ٥٥٢ السطر ٣١ .
[٢] إفاضة القدير : ١٦ ـ ٣٥ .