التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٣٩
من المشركين لقوله تعالى حكاية عن اليهود والنصارى : (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ... سبحانه عمّا يشركون ) [١] فتدل الآية المباركة على نجاسة أهل الكتاب كالمشركين .
وقد اُجيب عن ذلك باُمور ونوقش فيها بوجوه لا يهمنا التعرض لها ولا لما أورد عليها من المناقشات ، بل الصحيح في الجواب عن ذلك أن يقال : إن النجس عند المتشرعة وإن كان بالمعنى المصطلح عليه إلاّ أنه لم يثبت كونه بهذا المعنى في الآية المباركة ، لجواز أن لا تثبت النجاسة بهذا المعنى الاصطلاحي على شيء من الأعيان النجسة في زمان نزول الآية أصلاً ، وذلك للتدرّج في بيان الأحكام ، بل الظاهر أنه في الآية المباركة بالمعنى اللغوي وهو القذارة وأي قذارة أعظم وأشد من قذارة الشرك . وهذا المعنى هو المناسب للمنع عن قربهم من المسجد الحرام ، حيث إن النجس بالمعنى المصطلح عليه لا مانع من دخوله المسجد الحرام فيما إذا لم يستلزم هتكه فلا حرمة في دخول الكفار والمشركين المسجد من جهة نجاستهم بهذا المعنى ، وهذا بخلاف النجس بمعنى القذر لأن القذارة الكفرية مبغوضة عند الله سبحانه والكافر عدو الله وهو يعبد غيره فكيف يرضى صاحب البيت بدخـول عـدوّه بيتـه ، بل وكيف يناسب دخول الكافر بيتاً يعبد فيه صاحبه وهو يعبد غيره ، هذا كلّه أوّلاً .
وثانياً : أن الشرك له مراتب متعددة لا يخلو منها غير المعصومين وقليل من المؤمنين ومعه كيف يمكن الحكم بنجاسة المشرك بما له من المراتب المتعددة ؟ فان لازمه الحكم بنجاسة المسلم المرائي في عمله ، حيث إنّ الرياء في العمل من الشرك وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به فلا مناص من أن يراد بالمشرك مرتبة خاصة منه وهي ما يقابل أهل الكتاب .
وثالثاً : أنّ ظاهر الآيات الواردة في بيان أحكام الكفر والشرك ـ ومنها هذه الآية ـ أنّ لكل من المشرك وأهل الكتاب أحكاماً تخصّه ، مثلاً لا يجوز للمشرك السكنى في بلاد المسلمين ويجب عليه الخروج منها ، وأما أهل الكتاب فلا بأس أن يسكنوا في
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] التوبة ٩ : ٣٠ ـ ٣١ .