التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢١٩
والانصاف أن ما أفاده من استلزام القول بمنجسية المتنجس على وجه الاطلاق القطع بنجاسة أكثر الأشياء والأشخاص بل الجميع متين غايته ، ولا سيما في أمثال بغداد وطهران ونحوهما من بلاد الاسلام المحتوية على المسلم والكافر باقسامهما ، إذ الأماكن الاجتماعية في أمثالهما كالمقاهي لا تنفك عن القطع باصابة نجس أو متنجس لها ، فلو كان المتنجس منجّساً لاستلزم ذلك القطع بنجاسة جميع ما في العالم ، والأمر بالاجتناب عن الجميع أمر غير قابل للامتثال ، فبه يصبح الحكم بمنجسية المتنجس والأمر بالاجتناب عنه لغواً ظاهراً . ودعوى عدم حصول القطع بملاقاة النجس أو المتنجس في أمثال الأواني الموضوعة في الأماكن العامة عهدتها على مدعيها .
بل ذكر المحقق الهمداني (قدس سره) في طي كلامه : "أن من زعم أن هذه الأسباب غير مؤثرة في حصول القطع لكل أحد بابتلائه في طول عمره بنجاسة موجبة لتنجس ما في بيته من الأثاث مع إذعانه بأن اجماع العلماء على حكم يوجب القطع بمقالة المعصوم (عليه السلام) لكونه سبباً عادياً لذلك ، فلا أراه إلاّ مقلداً محضاً لا يقوى على استنتاج المطالب من المبادئ المحسوسة فضلاً عن أن يكون من أهل الاستدلال[١] . فانكار حصول العلم بالنجاسة خلاف الوجدان .
والجواب عن ذلك : أنّ هذه المناقشة إنما ترد فيما إذا قلنا بتنجيس المتنجس على وجه الاطلاق ، وأما إذا اكتفينا بمنجسية المتنجس بلا واسطة ـ في كل من الجوامد والمائعات ـ دون المتنجس مع واسطة أو واسطتين أو أكثر ، أو قلنا بتنجيس المتنجس من غير واسطة والمتنجس معها في خصوص المائعات دون غيرها من الجوامد ، فأين يلزم العلم بنجاسة جميع ما في العالم من الأشخاص والأبنية والأثاث ، لانقطاع الحكم بالمنجسية في المتنجس مع الواسطة ، وقد أشرنا أ نّا لا نلتزم بمنجسية المتنجس في غير الواسطة الاُولى في الجوامد بوجه ، إلاّ أ نّا لا نحكم بعدم منجسيته مخافة الاجماع المدعى على تنجيس المتنجس مطلقاً والوقوع في خلاف الشهرة المتحققة في المسألة .
ومما ذكرناه في الجواب عن ذلك ظهر الجواب عن الأمر الثاني من استدلالهم ، وهو
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] مصباح الفقيه (الطهارة) : ٥٧٩ السطر ١٨ .