مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١٧٣ - المَبحث الثالث مَصاديق الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام المعصوم
المَبحث الثالث : مَصاديق الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام المعصوم .
١ - الإفراط بالوَعيد الشَديد على الأمْرِ الصَغيرِ ، أو بالعَكس :
مَن استقرأ آيات القرآن الكريم والسُنّة النبويّة يُلاحظ : أنّ الشارع المُقدَّس لا ينظر إلى جميع الأعمال والأحكام بنَظرةٍ واحدة ، فلكلّ عمل وزن في ميزان الشارع ، فهناك الواجبات والمُستحبَّات والكبائر والصغائر ، فلا يُقدّم المُهمّ على الأهمّ ولا الكبير على الصغير ، وقد استخرج الفقهاء بعض القواعد الفقهيّة على أساس هذه النَظْرَة .
وقد أشارت إلى هذا المعنى الآية الكريمة : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (٥٤٩) .
فمع أهمّيّة السِقاية ـ وهي : إيصال الماء إلى الآخرين في الحجّ ـ ، وكذلك عِمارة المَسجد الحرام أو سِدانته ورعايته ، ولكنّهما لا يَعْدِلان الإيمان بالله ( سُبحانه وتعالى ) والجهاد في سبيله ، فالأعمال الصالحة وإن كانت مقبولة عند الله ( سُبحانه وتعالى ) ، ولكنّها ليستْ بدرجة واحدة عنده ( سُبحانه وتعالى ) : ( لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى . . . ) (٥٥٠) .
ولهذا ، فإذا ما وجدنا بعض الروايات الّتي تُحاول أن تُصادر هذه الحقيقة ، بالمُبالغة في الثواب على بعض الأعمال وتقديم المُستحبَّات على الواجبات ، فلا يُمكن القبول بها على أساس هذه الحقيقة واعتبار هذا الحديث من الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؛ لأنّ هذه القاعدة ـ كما قُلنا ـ مُستخرَجة ومُستنبَطة من مجموع الكتاب والسُنّة .
وفيما يلي بعض الأحاديث الّتي نعتقد أنّها تُخالِف هذه الحقيقة :
أ - نسيان سورة من أعظم الذنوب :
أخرجَ أبو داود (٥٥١) والترمذي عن المُطّلِب بن عبد الله بن حَنطَب ، عن أنس بن مالك ، قال ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ( عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ