مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ٣٧ - ٢ - تَأخُّر التَدوِين
أمّا الرأي الثاني ، فهو مَذهب بعض المُتكلِّمين والأُصوليِّين ، كالجوَيني ، والغَزالي ، والباقلاني [٦٣] .
أمّا الرأي الثالث ، فهو مَذهب جمهور المُحدِّثين والأُصوليِّين ، قال الشيخ المُفيد : ( إنّه لا يجب العِلم ، ولا العَمل بشيء من أخبار الآحاد ، ولا يجوز لأحد أن يَقطَع بخَبر الواحد في الدِّين ، إلاّ أن يَقتَرِن به ما يَدلّ على صِدقِ راويه على البَيان ، وهذا مذهب جمهور الشيعة ، وكثير من المُعتَزِلة ، والمُحكِّمَة ، وطائفة من المُرجِئة ، وهو خِلاف لما عليه مُتَفقّهة العامّة ، وأصحاب الرأي ) [٦٤] .
ولَسنا هنا بصَدَد الترجيح بين الآراء ومناقشتها ، ولكنّ القول : بأنَّ خبر الواحد العادِل عن مثله ، يُفيد العِلم القطعي ، مُخالِف للبَديهيّات والضرورة .
وكيف يُفيد القطع والراوي مُعرّض للاشتباه والوَهم ؟ نعم ، غاية ما يدلّ خبر العادِل ، أنّه لا يتعمَّد الكذب في الحديث .
إنّ ظنِّيّة أخبار الآحاد ، وعدم القطع بالصدور ، واحتمال تعرّض الراوي للوَهم والاشتباه والخطأ ، هي من الأسباب المُوجِبة لظهور النَقد ، قال السيّد المُرتضى : ( إنّ الحديث المَروِي في كُتبِ الشيعة ، وكُتب جميع مُخالِفينا ، يَتَضَمَّن ضُرُوب الخطأ ، وصُنُوف الباطل ، من محالٍ لا يجوز ولا يُتَصَوَّر ، ومن باطلٍ قد دلّ الدليل على بطلانه وفساده ... ولهذا وَجبَ نَقد الحديث ) [٦٥] .
٢ - تَأخُّر التَدوِين .
مَهما تكن أسباب منع التدوين والتحديث ، وجوازه أو مَنْعِه ، فإنّ تأخّره إلى فترةٍ طويلةٍ ، كان له آثار سلبيّة على الحديث .
فمهما بُولغ في قوَّة الذاكرة في ذلك الوقت ، فإنّ النقل الشَفوي له آثار سَيّئة ، في التبديل والتحريف بمرور الزمن ، مّما سَبَّبَ ضياع كثير من الأحاديث ( كاد القَرن الأوّل ينتهي ، ولم يُصدِر أحدٌ من الخُلفاء أمره إلى العلماء