مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ٧٢ - المَبحث الثاني مَرتبة السُنّة من القرآن
ومَحاجَّ لطُرق الصُلحاء ، ودواءً ما بعده داء ، ونوراً ليس معه ظُلمة ) [١٨٧] .
إلى غير ذلك من الأقوال ، الّتي لو استعرضناها لطال بنا المَقام ، فهو المَصدر الأوّل للتشريع عند جميع المسلمين ، لا يختلف على ذلك أحد ، وهو المَرجِع عند الاختلاف ، قال تعالى : ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) [١٨٨] .
المَبحث الثاني : مَرتبة السُنّة من القرآن
اتّفقَ المسلمون على أنّ السُنّة هي المَصدر الثاني للتشريع ، بعد القرآن الكريم ، وأنّ رتُبَتَها هي التأخّر عن القرآن ، وقد استدلّ الشاطِبي على ذلك بعدّة أدلّة :
١ - إنّ الكتابَ مَقطوعٌ به والسُنّة مَظنونَة ، والقَطع فيها إنّما يَصحّ في الجُملة ، بخلاف القرآن فإنّه مَقطوع به في الجُملَة والتَفصيل ، والمَقطوع به مُقدَّم على المَظنون .
٢ - إنّ السُنّة إمّا بيانٌ للكتاب ، أو زيادة على ذلك ، فإنْ كان بَياناً فهو ثانٍ على المُبيَّن في الاعتبار ، إذ يَلزَم من سقوطِ المُبيَّن سقوط البيان ، ولا يَلزَم من سقوط البيانِ سقوط المُبيَّن ، وما شأنه هذا فهو أولَى في التقدُّم .
وإن لم يكن بَياناً فلا يُعتبَر ، إلاّ بعد أنْ لا يُوجَد في الكتاب ، وذلك تَقديم على تَقدِيم الكتاب .
٣ - ما دلَّ من الأخبار على تقديم الكتاب على السُنّة ، كحديث مَعاذ [١٨٩] .
وقال البعض : إنّ الكتاب أحوَج إلى السُنّة من السُنّة إلى الكتاب ، وإنّها تَقْضِي عليه [١٩٠] .
وقد رَدَّ الشاطِبي هذا القول : بأنّ قضاءَ السُنّة ليس بمعنى تقديمها على القرآن ، بل إنّ ذلك المُعبَّر عنه في السُنّة هو المراد في الكتاب ، فكأنّ السُنّة بمَنزِلة التَفسير والشَرحِ لمَعاني القرآن ، فمَعنى كونِها قاضِية يَعني أنّها مُبَيِّنة له [١٩١] .
وهو الحقّ ؛ لأنّ السُنّة فرع القرآن ، وحُجِّيَّتها نابعة منه ، وما كان هكذا فمَنزلته التأخّر بلا ريب .