مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١٣٩ - المبحث السادس الدليل على القاعدة
وقال آخر : إنّ العقل مُجرَّداً ، لا يُمكن الاعتماد عليه في ردِّ ما يُتَوَهّم مُخالَفته للنصوص ، وإنّ الحُجَج الفعليّة الصِرفة غير مَعصومَة عن الخَطأ ، والدليل العقلي الّذي يَطمَئِنّ إليه المُسلم ، هو الّذي يكون في جزءٍ منه شرعيّاً ، أو دائراً في فَلَكِ النصوص (٤٤٣) .
وقال بعضهم مُستَنكِراً استخدام البعض هذا المقياس : ( لنَفرِض أنّ تحكيم العَقل في الأحاديث هو الصواب ، فنحن نسأل : أيّ عقل هذا الّذي تُريدون أنْ تُحَكِّموه ؟
أعَقل الفلاسِفة ؟ أنّهم مُختَلِفون .
أمْ عقل الأُدباء ، أمْ عقل الأطبَّاء ، أم . . . ؟ (٤٤٤) .
ونحن نقول هنا : إنّ الخروج بنتيجةٍ قاطِعة تَتَّفِق عليها جميع المَذاهب في جَعلِ العَقل مِقياساً غير مُمكنة ؛ لاختلافهم في بعض المَباني كما ذكرنا ذلك سابقاً ، فقد تكون هناك قضيّة مُستحِيلة عند البعض مُمكنة عند البعض الآخر ، ولكن يُمكن أن يُقال : إنّ المُراد من العَقل هو العَقل القَطعي ، والعَقل النَظري يكون قَطعيّاً فيما إذا كانت مادّة القِياس بَديهيّة ، أو نَظريّة تنتهي إلى البَديهيّة .
والقضايا البديهيّة ـ كما هو معروف في علم المَنطق ـ تتكوَّن من ستِّ قضايا (٤٤٥) ، هي :
١ - الأوّليّات : وهي قَضايا يُصدِّق بها العَقل لذاتِها ، دون سَببٍ خارج عن ذاتها ، مثل قولنا : ( الكُلُّ أكبر من الجزء ) ، ( النَقِيضَان لا يَجْتَمِعان ) .
٢ - المُشاهَدات ( المَحسُوسَات ) : وهي القضايا الّتي يحكم بها العَقل بواسِطة الحِسِّ .
٣ - التَجْريبِيَّات : وهي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسِطة تَكرّر المُشاهَدة في إحساسِنا ، كالحُكم بأنّ كلّ نارٍ حارّة .
٤ - المُتواتِرات : وهي قضايا تَسْكُن إليها النفس سُكُوناً يزول معه الشَكّ ، ويحصل الجَزم القاطِع ، بواسطة إخبار جماعة يَمتَنِع تَواطؤهم على الكذب ، ويَمتَنِع خطأهم في فَهمِ الحادِثة .