مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١٤٠ - المبحث السادس الدليل على القاعدة
٥ - الحَدسيّات : وهي قضايا ، مَبْدَأ الحُكم بها حَدسٌ من النفس قوّيٌّ جدّاً ، يزول معه الشَكّ ، ويُذعِن الذِهن بمَضمونِها .
٦ - الفِطْريّات : وهي القضايا الّتي قِياساتها مَعها ، أي أنّ العقل لا يُصدِّق بها بمُجرَّد تصوّر طَرفيها ، بل لابُدَّ لها من وَسَط ، مثل : حُكمنا بأنّ الاثنين خُمس العَشرة .
أمّا بالنسبة إلى المُتواتِرات ، فقد بَحثناها في عَرْضِ الحديث على السُنّة .
وأمّا التَجريبيّات ، فإذا كانت تحتاج إلى تَجارب دقيقة يقوم بها المُختصّون ، وتحتاج إلى وضْعِ قوانين دقيقة ، فسوف نقوم بدراستها بمِعيار خاصّ ، هو عَرض الحديث على قطعيّات العُلوم التجريبيّة ، وإن كانت لا تحتاج إلى ذلك ، فشَأنها شأن المَحسوسَات ، الّتي يَحكم العقل بردِّها فيما إذا خالَفتْ المَحسوس .
وقد ناقش السيّد الشهيد في عَدَمِ بداهة القضايا الأربعة ، عدا الأوّليّات والفِطريّات ، فقال : ( ادّعى المَنطِق الصوري أنّ هذه القضايا كلّها بديهيّة ، ونحن نُسلِّم معهم في اثنين منها ، هما الأوّليّات والفطريّات . . . وأمّا غيرهما من القضايا الأربع ، فليست المَعرفة البشريّة فيها قَبْلِيّة ، بل بَعديّة تَثْبتُ بحِساب الاحتمالات وبطريقة الاستقراء ) (٤٤٦) .
نقول : حتّى على هذه النظريّة ، فإنّه يُمكن اعتماد هذه القضايا الّتي لا تُوجِب اليَقين الموضوعي ، وإنّما ينشأ نتيجة ضعْفِ الاحتمال إلى حدٍّ كبير ، حيث تَتَحوّل الظنون في نهاية المَطاف إلى يقين وجَزم ، ضمن مُصادرات مُعيَّنة مَشروحة في أُسُس الدليل الاستقرائي كما قال السيّد الشهيد ( رَضي الله عنه ) ؛ وذلك لأنّ أكثر مَعارِفنا هي من هذا النوع .
هذا بالنسبة إلى العَقل النَظَرِي ، أمّا بالنسبة إلى بَديهيّات العَقل العَملي ـ على القائِلين بنظريّة الحُسن والقُبح العقليَّين ـ ، فهناك بَديهيّات يُدرِكها العَقل ، مثل : ( العَدْلُ حَسن ) ، ( الظلم قبيح ) ، ( جزاء الإحسان بالإحسان حَسن ) ، ( جَزاؤه بالإساءة قبيح ) وغيرها ، والّتي يُمكن ضَمّ بعضها إلى بعض الأُصول المُسلَّمة العقليّة ، لإنتاج حُكمٍ عقليٍّ بقُبْح فِعل أو حُسن آخر ، مع العِلم أنّ هذه المَسألة هي مَسألة خلافيّة أيضاً ، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً .