مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١٥٥ - المَبحث الرابع تعارض العِلم مع الدِّين
الاقتراب من الحقيقة العلميّة .
وهكذا يَتَبَيَّن أنّ هناك فرقاً كبيراً بين النظريّة والحقيقة العلميّة .
فالحقيقة العلميّة تَتَحدَّث عن واقعٍ مَلمُوس ، والنظريّة هي تحليل لظواهِر ، وتفسير للمعلومات المُستَحصلَة عن طريق المُلاحظة ، وهذا ما يُفسِّر لنا تَغيِير النظريّات بين الحين والآخر ؛ لأنّها لم تَستطِع أن تُفسِّر الواقِع تفسيراً صحيحاً ، فقد ظلّتْ نظريّة التَطوّر للعالم الانجليزي داروين ( ١٨٨٢ ـ ١٨٠٩ م ) مَوضِع نقدٍ وتَحوير ، وإضافة وهَدَف ، مع كُلِّ تقدّم علمي .
المَبحث الرابع : تعارض العِلم مع الدِّين
قبل أن نبدأ ببحث تعارض العِلم والدِّين ، ومن ضِمنه الروايات الصادِرة عن المعصومين (عليهم السلام) ، لابُدَّ من تناول علاقة الدِّين ـ ومنها الروايات ـ مع العِلم ، والّتي يُمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام :
١ - القضايا الّتي توافِق العِلم القطعي .
٢ - القضايا الّتي تُخالِف العِلم القطعي .
٣ - القضايا الّتي لا يُمكن للعِلم أن يُثبِتَها أو يَنفِيها ؛ وذلك لأنّها خارجة عن مَنهَج العِلم في البَحث .
فكما قُلنا سابقاً : إنّ طريقة العلوم الطبيعيّة هي التجربة والمُلاحَظة ، ومثل هذه القضايا ـ تفاصيل الجنّة والنار ، ووجود المَلائِكة والجِنِّ ـ لا يُمكِن أنْ تُثبَت أو تُنفى من خلال هذا المَنهج .
فمَجموعة القضايا الأُولى والثالثة خارجة عن تناول هذه الدراسة ، ولم يَبقَ حينئذٍ إلاّ القضايا الّتي تُخالِف العِلم القطعي .
والتعارض لا يكون واقعيّاً ـ فيما إذا كان الحديث مَقطوع الصدور والدلالة ـ مع العلم القطعي أبداً ؛ لأنّنا نعتقد أنّ المَعصوم لا ينطقُ عن الهوى ، وما يأتي به إنّما يكون من الله ( سبحانه وتعالى ) خالِق الكون والحياة ، فلا يُمكن حينئذٍ أنْ يقعَ تعارض بين العالَم التشريعي والعالَم التكويني ؛ لأنّ صاحب الشريعة هو خالِق الكون وواضِع قوانينه .