مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١٥٣ - المَبحث الثالث العلوم التجريبيّة بين الظَنِّ واليَقين
هذا وأنّ جميع قضايا العلوم هي من النوع الثاني ، قال أحدُ الباحثين : ( وفي مَجال العلوم الطبيعيّة ، لا سبيل لنا للحديث عن حقيقةٍ مُطلَقة ، بل هناك فروض أمكن تحقيقها تجريبيّاً ) (٤٨٠) .
٣ - المَذهب الذاتي للمَعرِفة :
وهو مَنهج مُستقِل في تفسير الاستقراء ، أبدَعَه الشهيد الصدر ، يختلف عن المَذهب العَقلي والتَجريبي ، فَسَّرَ فيه المَعرفة الاستقرائيّة على أساس قِيَمِ الاحتمال ، وتَوَلّد المَعرفة ذاتياًّ إلى أن تَصِل إلى مُستوى اليَقين ؛ وذلك بتَراكُم القِيَمِ الاحتماليّة لقَضيّة ما ، حتّى يَصِل احتمال نقيضها قريباً من الصفر .
قال الشهيد الصدر : ( وأنا أعتقد أنّ كُلّ مَعرفة ثانويّة يحصل عليها العقلُ على أساس التَوالِد الذاتيّ (٤٨١) ، تَمرّ بمَرحلَتَين ، إذ تبدأ أوّلاً مَرحلة التَوالد المَوضوعي (٤٨٢) ، وفي هذه المَرحلة تبدأ المَعرفة احتماليّة ، وينمو الاحتمال باستمرار ، ويسير نحو الاحتمال في هذه المَرحلة بطريقة التوالد الموضوعي ، الّتي تَعجز عن تصعيد المَعرفة إلى درجة اليَقين ، وحينئذٍ تبدأ مَرحلة التَوالد الذاتيّ ، لكي تُنجِز ذلك وتَرتفع بالمَعرفة إلى مُستوى اليقين ) (٤٨٣) .
وهنا أنقذَ السيّد الشهيد المَعرفة البشريّة التجريبيّة من التَشكيك في قِيمتِها ، وأنّها يُمكن أن تُورِث اليَقين والاطمئنان ؛ بتَقريرٍ يَختلف عن تقريرِ المَذهب العقلي .
وهذا ما نذهب إليه في تفسير المَعرفة التَجريبيّة ، وحتّى لو سَلَّمنا بالنَظريّات الأُخرى في تفسير العلم ، فإنّ من المُؤكَّد أنّ هناك أشياء واقعيّة يقينيّة ، لا يستطيع أصحاب النَظريّات التَشكيكيّة أن تَتَجاهله ، مثل : حركة الأرض حول الشمس ، وكُرَوِيّتها ، وبعض الحقائق في الطبِّ والفيزياء و . . . ؛ لأنّ هذه الحقائِق لا تخرج عن كونِها