مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ٣٢ - مَنهج النقد التاريخي
فهناك طائفة من المُتصوِّفة والعُرفاء ، لم تنظر إلى السَنَد في نَقد الحديث ، واعتمدتْ على الكَشف والشُهود في نقد الحديث ، وتَصحيحه أو تضعيفه ، قال ابن عربي : ( ورُبّ حديثٍ يكون صحيحاً من طريق رواية يحصل لهذا المُكاشَف ، الّذي قد عايَن هذا المَظهر وسألَ النبي (ص) عن هذا الحديث ، فأنكَرَه ، وقال : لم أقُله ، ولا حَكَمتُ به ، فيَعلم ضَعفه ، فيترك العمل به ، عن بيِّنة من ربِّه ) [٥٤] .
ونقلَ كلاماً عن بايزيد البسطامي ( أحد العُرفاء ) في هذا المقام ، وهو يُخاطِب عُلماء الإسلام ، قال : ( أخذتُم علمَكم ميِّتاً عن ميِّت ، وأخذنا عِلمنا عن الحيِّ الّذي لا يموت ، يقول أمثالنا : حدَّثني قَلْبِي عن ربِّي ، وأنتم تقولون : حدَّثني فلان ، وابن فلان ، قالوا : مات ... ) [٥٥] .
ومن المعلوم أنّه لا يُمكن تصحيح الحديث اعتماداً على المَتن وحده ، إذ ليس كلّ حقّ يُمكن أن نَنْسبه إلى الرسول (ص) ، وإنَّ صِدْقَ مَضمون الخبرِ غير كافٍ لجًعْلِه حديثاً ، إذ أنَّ القاعدة هي : أنّ كلّ ما قاله الرسول ( ص) فهو حقّ ، وليس كلّ ما هو حقّ فهو قول رسول الله (ص) ؛ ولذلك عَلَّق ابن العربي الاشبيلي على الحديث الموضوع في فضيلة سورة المائدة ، وفيه : ( أنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) قال لعليٍّ (عليه السلام) لمّا رَجع من الحُديبيَّة : ( يا علي ، أشَعَرتَ أنّه نَزَلَتْ عليَّ سورة المَائِدة ؟ وهي نعمت الفائدة ) .
قال : ( أمّا إنّا نقول سورة المائدة نعمت الفائدة ، فلا نُؤثِره على أحد ، ولكنّه كلامٌ حَسن ) [٥٦] .
مَنهج النقد التاريخي .
نظراً لِتشابهِ منهج النقد عند المُؤرِّخين والمُحدِّثين ؛ ارتأينا أن نعرض لمنهج المُؤرِّخين في النقد ، ومقارنته مع منهج أهل الحديث .
فقد عرفَ عُلماء التاريخ نوعَين من النقد للوَثائِق التاريخيّة ، أي إنّهم يَقومون بخُطوتَين عندما ينقدون الوثيقة :