مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١٣٨ - المبحث السادس الدليل على القاعدة
وكفّ اللسان ، والابتعاد عن الشرِّ ، وغيرها من الأمور والمَصاديق الّتي يَتَّصف بها العاقِل ، وما يَهمّنا هنا هو المَعنى الأوّل والثاني .
وقد ظهر مّما مَرَّ أنّ مَنزلة العقل في الروايات كبيرة جدّاً ، فهو مَبدأ التكليف والحِساب والعقاب ، فبه يُعرَف الله وبه يُعبَد ، وهو حُجّة باطِنة كما أنّ الأنبياء (عليهم السلام) حُجّة ظاهرة ، وبه يُميّز بين الخَير والشَرِّ والمَنافع والمَضارّ ، وأنّه أصل العِلم وداعيته .
فإذا كان كذلك ، فكيف لا يُمكن اعتباره مِعياراً ومقياساً لمَعرفة صَحيح الرواية من سَقيمها ، خصوصاً إذا كان حُكم العقل قطعيّاً ؟! .
ويُمكن اعتبار حُجّيّة العقل ومِعيارِيَّته من باب كونه قَطْعَاً ؛ لأنّ المُراد من العقل هنا ليس حُكم العقل الظنِّي ، بل حُكم العقل القطعي ، والقطع حُجَّة من أيِّ وَسيلةٍ جاء .
قال أحدُ العلماء : ( اعلَم أنّ خبر الواحِد إذا وردَ مُخالِفاً لمُقتَضَى العَقل ، فإنْ أمكن تأويله من غير تَعَسّف ، يُقبَل التأويل الصحيح ، وإن لم يَقْبَل تأويلاً إلاّ بتَعَسّف ، لم يُقبَل ؛ لأنّه لو جاز التأويل مع التَعسّف لبَطل التناقض في الكلام كُلّه ) (٤٣٩) .
وقال الشيخ المفيد : ( إذا وَجَدْنا الخبر يُخالِف العَقل نَردّه ) (٤٤٠) .
المُراد من العَقل في الحُكْمِ على الروايات :
اختلفتْ أنظار العلماء في المُراد من العَقل في الحُكم على الروايات ، فقال بعضُهم : إنّ المُراد من العَقل هو العَقل الحَصِيف ، الّذي يَتَّفِق عليه جميع العُقلاء ، إذا تَجرَّدوا عن كلّ النَزَعات والرواسِب والخَلْفِيَّات (٤٤١) .
وقال آخر : إنّ المُراد بالعَقل هو العَقل المُستَنِير بالكتاب والسُنّة الثابِتة ، لا العَقل المُجرَّد (٤٤٢) .