رسالة في حجية الظن - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ١٣٧ - منها ان التعبّد بالظنّ الذى لم يدل دليل على وقوع التعبّد به محرم بالادلّة الاربعة
ما كان يفسده اكثر مما يصلحه و نفس ادلة الاصول فقد تبيّن ممّا ذكر انحصار دليل حرمة العمل بما عد العلم فى امرين و ان الآيات و الاخبار راجعة الى احدهما احدهما ان العمل بالظنّ و التعبّد به من دون توقيف من الشّارع تشريع محرم بالادلّة الاربعة و الآخر ان فيه طرحا لادلة الاصول العمليّة و اللفظيّة كالاطلاق و العموم التى اعتبرها الشّارع عند العلم بخلافها اقول ان الظاهر انّ مدار الوجه المذكور على ان العمل بالظن هو الاتيان بالفعل على طبقه على انّ مقتضاه حكم اللّه و هو حجة و العمل بالظنّ على هذا الوجه تشريع و بدعة و اما مجرّد الجريان على مقتضى الظنّ فهو ليس بحرام بل قد يترتّب عليه الثواب كما اذا كان موافقا للاحتياط و ينقدح بعد ان الظاهر من اخبار البدعة هو كونها فيما ثبت انّه ليس من الدّين فلا يجرى فيما لم يثبت كونه من الدّين نفيا و اثباتا بان الظّاهر كون الفرض فى صورة العامل بالظن عالما بانه لا دليل على اعتباره من جانب الشارع و فى هذه الصّورة اما ان يقال بحرمة الاعتقاد و التّصديق بكون الظنّ الّذى لم يثبت اعتباره معتبرا او بحرمة الفعل المقرون بالتّصديق المذكور كالاستبراء المقرون باعتقاد اعتبار الشّهرة القائمة على وجوبه عند القائل بحجيّة الظّنون الخاصّة لكن التّصديق المذكور ممتنع ممن يعتقد عدم ثبوت الاعتبار من جانب الشارع كيف لا و الاذعان و التّصديق بطرفى النقيض محال و لا ريب فى عدم حرمة تصوّر اعتبار الظنّ المذكور و الا لكان تصوّر الزناء حراما و كذا الفعل على طبقه مقرونا به نعم لو افتى الشخص بطبق الظنّ المذكور فهو حرام لدخوله فى القول بغير علم بل مثله ما لو فعل الشخص فعلا بطبق الظنّ المذكور بحيث اوجب تعزير الغير و كان الدّاعى له على الفعل هو التّعزير و الاضلال كان ابرز ما قام دليل غير معتبر على وجوبه بصورة الواجب بان فعله دائما و هو يهتم بالاتيان به بحيث يذعن بوجوبه كلّ من راى فعله بهذا المنوال منه لحكم العقل بقبحه و ان لم يكن من باب البدعة بل لو ارتكب الجاهل المقصّر فعلا من غير اجتهاد و لا تقليد على وجه الوجوب مذعنا به لحدس من عند نفسه دعاه اليه و لم يثبت وجوبه فيمكن القول بالحرمة و على هذا المنوال الحال لو تأدّى اجتهاد غير القابل [١] الى امر خلاف الاجماع او خلاف الضّرورة لو قلنا بعدم اختصاص البدعة بخلاف الاجماع و عمومه لخلاف الضّرورة و كذا الحال فى تقليد الاجتهاد المذكور من غير القابل او القابل لكن لا يصدق المبدع على المقلد و ان يصدق على فعله البدعة اذ الظّاهر من المبدع من كان تاسيس البدعة منه و بعد ذلك اقول انه يمكن القول بان الشخص لو ارتكب فعلا قام الشّهرة على وجوبه مع عدم اعتبار الشّهرة عنده على سبيل اخطار وجوبه و اخطار التقرّب به اى على نيّة الوجوب بناء على كون النيّة هى الاخطار كما اشتهر ثبوت القول به بالاختلاف فى النية على القول بكونها هى الداعى و القول بكونها هى الاخطار لكن الحقّ انه لم يتفق القول بكونها هى الاخطار كما يظهر مما حرّرناه فى الرّسالة المعمولة فى ان النيّة هى الاخطار او الداعى فالعقل يحكم بقبحه الّا انه اندر نادر لا يكاد اتفاق الاقدام عليه من احد فيشكل شمول عمومات البدعة له و قد حرّرنا حال البدعة فى بحث التّسامح فى المندوبات مع ان الظّاهر كونها فيما ثبت انه ليس من الدّين كما انه ليس من باب الافتراء لظهوره فى القول و لا يدلّ الاخبار على حرمته كما انه لم يثبت حرمته بالاجماع ثم ان العمل بالظنّ بناء على كونه موجبا للتشريع فلا يتاتى التشريع بعد ثبوت استقرار طريقة العقلاء على العمل به فى امورهم العادية و احكامهم و جريان طريقتهم على العمل به فى مقام الاطاعة فان الملتزم بفعل ما اخبر بوجوبه بخبر الواحد و ترك ما اخبر بحرمته بخبر الواحد لا يعده العقلاء مشرعا بل لا يشكون فى كونه مطيعا فالعقلاء يعدون المخبر به بخبر الواحد من الدين و كذا يعدون المخبر بوجوبه او حرمته بخبر الواحد من جانب المولى حكما لازم الاتباع و قبح التشريع لا يختصّ بالاحكام الشرعيّة بل يجرى فى الاحكام العرفية حيث ان العقلاء يقبحون و يذمون العبد المبدع فى احكام مولاه فلا يتاتى التشريع فى المقام و بالجملة فلا يتاتى صدق التّشريع فى المقام و قبح العمل بالظنّ محلّ المنع و هو العمدة و الا فلم يؤخذ فى الاستدلال صدق التشريع و البدعة مع انه لا مجال للتشريع بعد ثبوت اعتبار خبر الواحد بالاخبار
و الاجماعات المنقولة المتقدّمة و كذا بالعقل كما ياتى و بما سمعت تدرى عدم جريان الاصول العمليّة فى مقابل خبر الواحد حيث انّهما ان كانت من جهة حكم العقل فلا مجال لها بعد استقرار طريقة العقلاء على العمل بخبر الواحد و ثبوت اعتبار خبر الواحد و ان كانت من جهة الادلّة اللّفظية فهى تندفع بما يدلّ على حجيّة خبر الواحد و امّا الاصول اللفظية كالإطلاق و العموم فلا يتاتى اعتبارها فى مورد المعارضة مع خبر الواحد على تقدير اعتبار الظنّ الشخصى فى ظواهر الالفاظ لعدم حصول الظنّ بالاطلاق و العموم مع مخالفة خبر الواحد بل الظنّ بالعدم
[١] بالقابل