الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٩٢ - القول في الخبز
للأبدان وأسرع انحدارا من المعدة والمعاء ، من قبل أن القوة النارية ‹ التي › كان بها يسخن ويجفف ، قد خلقت [١] وضعفت لبعد عهده بحركة الحجر . وما كان منه متوسطا بين هاتين المرتبتين ، كان أخذ [٢] من الحاشيتين بقسطه ، إلا أنه كلما قصرت مدته وقربت من وقت الطحن ، كان أكثر لاسخانه وتجفيفه ، وأبعد لانحداره . وكلما طالت مدته وبعدت من وقت الطحن ، كان أقل لاسخانه وتجفيفه وأسرع لانحداره .
وأما اختلاف الخبز من قبل صنعته ، فيكون على ضربين : أحدهما : من مقدار الخبز وشكله وإحكام صنعته وإتقان [٣] عمله . فأما مقدار الخبز فيكون على ثلاثة ضروب : لان منه ما يكون عظيما ثخينا ، ومنه ما يكون لطيفا رقيقا ، ومنه ما يكون متوسطا بين هذين الحدين .
فما كان منه عظيما ثخينا ، كان لبابه أكثر وأرطب ، وقشره أرق وأصلب ، من قبل أنه يحتاج إلى أن يلبث في النار مدة أطول قبل تمام نضجه لثخنه وعظم مقداره . ولذلك تتمكن النار من ظاهره وقشره لمباشرتها له وتجفف رطوبته ويصير لبه قريبا من طبيعة القمح المقلو قبل أن يستبين فعلها في باطنه ولبابه . وما كان من الخبز كذلك كان قشره قليل الغذاء عسير الانحدار والانهضام ، مجففا لرطوبة الثفل حابسا للبطن ، من قبل أنه يحتاج إلى رطوبة تبله وتلينه ، فيفتقر إلى رطوبة المعدة ورطوبة الغذاء جميعا ، وينشفها ويجففها فيجف لذلك الثفل ويمتنع من الانحدار بسرعة ، ويصير ذلك سببا وكيدا لحبس الطبيعة . ولهذه الأسباب قلت رياحه ونفحه وصار إذا انهضم وصل إلى الأعضاء وطال لبثه وبعد انحلاله منها ، وكان زائدا في قوتها وشدتها . وأما لباب هذا الضرب من الخبز ، فهو في الجملة غليظ كثير الرطوبة ، إلا أنه يكون على ضربين : وذلك أن منه ما لم تتمكن النار منه ، ولم تفعل في جملة أجزائه فعلا متساويا ، لكنها أنضجت بعضها وبقي بعضها نيا في غاية الغلظ والفجاجة . فصار لذلك غذاؤه مذموما مولدا للبلغم اللزج . ومنه ما تمكنت النار منه وعملت في جملة أجزائه وأنضجتها ، غير أنها لم تتمكن منها تمكنا يتهيأ معه تلطيف لزوجته وغلظه ، فصار بالإضافة إلى ما لم تفعل في أجزائه فعلا متساويا ، أكثر غذاء وأسرع انهضاما وأعون على تليين البطن وبخاصة متى كان الدقيق الذي عمل منه الخبز نخاليا ، وأكل الخبز وهو حار عند خروجه من التنور .
وما كان من الخبز رقيقا صغيرا ، فغير محتاج إلى أن يلبث في النار إلى أن يجف قشره قبل تمام نضجه ، لان النار تصل إلى جميع أجزائه وتفعل فيها من قرب وتنشف رطوبة اللباب ولزوجته . ولذلك صار اللباب من هذا الضرب من الخبز أقل وأجف ، وقشره أثخن وألين ، لان النار قد تمكنت من باطنه وفعلت فيه كفعلها في ظاهره من تجفيف رطوبته وتلطيف لزوجته . ولذلك قلت فضوله ، وصار غذاؤه أقل وانحداره أبعد ، ومعونته على حبس البطن أزيد ، ولا سيما إذا كان باردا قد مضى له يوم أو يومان أو أكثر من ذلك .
[١] خلق وخلق وخلق الشئ : بلي .
[٢] في الأصل : أخذا .
[٣] ( إتقان ) مستدركة في الهامش .