الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٧٣ - في التدبير اللطيف المطلق
في التدبير اللطيف المطلق أعني الأغذية السريعة الانهضام المحمودة الكيموس أما التدبير اللطيف بالقول المطلق ، فإنه وأن كان لا [١] يفيد الأبدان من الخصب ولا يكسبها من القوة ما يكسبها التدبير الغليظ ، أعني الأغذية اللزجة المحمودة الجوهر ، فإنه من أبلغ الأشياء في حفظ الصحة على الأصحاء ، ذلك لسرعة انهضامه وسهولة انحلاله من الأعضاء ، وجودة الدم المتولد منه ، ومع ما له من حفظ الصحة على الأصحاء ، فقد يتجاوز ذلك إلى شفاء المرضى ورد الصحة عليهم ، لأنا نجده كثيرا ‹ ما › يدفع الأمراض المزمنة ، فضلا عن الأمراض الحادة ، حتى أنه كثيرا ما يستغنى به المرضى في شفاء أمراضهم عن الأدوية وغير ذلك .
ولذلك صار الأفضل في أكثر الأمراض أن يجهد المتطبب نفسه في بلوغ الغاية التي يقصد إليها من شفاء الأمراض بالتدبير اللطيف فقط ، ويتوقى استعمال الأدوية إلا في الندرة عند الاضطرار إليها وبعد الامكان . ولبعض الأوائل في التدبير اللطيف فصل قال فيه : إن من أخذ نفسه بالحمية واستعمال التدبير اللطيف ، كان قادرا على تبريد حرارة بدنه ، وترطيب يبسه العارض من الحر القوي والتعب الشديد .
وذلك أنه يدخل بدءا إلى حمام عذب معتدل الهواء والماء ، ولا يطيل لبثه فيه ، ويشرب بعد خروجه من الحمام شرابا ممزوجا مزاجا معتدلا ، ويتناول منه حتى يروى ، ثم يقذف بكل ما شربه ويستريح ساعة ويتناول البقلة المعروفة بالخس لان في هذه البقلة تبريدا وتطفئة وترطيبا من غير غائلة [٢] ، ثم يتناول بعد ذلك حسو الشعير المحكم الصنعة مطبوخا [٣] بيسير من خل ، ويأخذ بعد انهضام الحسو من معدته أجنحة الفراريج والإوز مع قوانصها ، وأكارع قد أحكم نضجها وطيبت بالخل ويسير من المري أو أمخاخ بيض طري من حيوان فتي سمين معمول نيمبرشت ، وسماه جالينوس المرتعش لأنه لوقته يتموج . ويتناول من البقل ما كان غذاء محمودا غير مذموم ، مثل الملوخية والسرمج [٤] والبقلة اليمانية ، ويشرب بعد ذلك
[١] ( لا ) : مستدركة في الهامش .
[٢] الغائلة : الشر .
[٣] في الأصل : مطبوخ .
[٤] السرمج أو السرمق بالفارسية ، وهو القطف : بقلة تستعمل أوراقها استعمال السبانخ أو الملوخيا .