الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٦٠٧ - القول في الشراب
على ما ينبغي وكيف ينبغي وما احتملته الطباع ، عضد الحرارة الغريزية وزاد في القوى الطبيعية زيادة محمودة ، وأعان على الهضم وتلطيف الفضول والاخلاط ، وغسل القنوات والمجاري والعروق وبخاصة عروق الكبد من الأثفال والأوساخ ، وفتح سدد الكبد وأزال البخارات المظلمة المهيجة للهموم والأحزان عن القلب ، وقوى الأعضاء ، وأجرى عموم الدم في البدن كله ، وصبغ به ظاهر البدن وباطنه ، وأظهر في الوجه رونقا [١] وبهجة وأفاد اللون نضارة وحسنا . وذلك لتوليده الدم النير النقي الخالص المحمود .
وليس ما ذكرناه في فضيلة الشراب ومنافعه وآثاره المحمودة شيئا يخص الأبدان فقط ، لكن قد تعم الأبدان والنفوس معا ، من قبل انه وان كان شقيق الدم وحليف الطبيعة وأليفها وعشيق النفس وريحانتها وترياقها الأعظم ، لأنا نجده دائما ينسيها الأحزان والهموم بما يفيدها من السرور والفرح والطرب ويبرز لها من المحاسن ويظهر لها من اللطائف التي كانت عنها مستورة ، ويحدث لها نشاطا في الافعال والأعمال من غير أن يجد لذلك تعبا ولا نصبا ولا إعياء . ومن البين ان الحركة والحس بالتعب للنفس [٢] لا للطباع ، من قبل ان الطبيعة انما لها إصلاح الأدوات التي بها الحس والحركة . وأما الحس والحركة فللنفس لا للطباع . وقد يستدل على ذلك من النبات والأشجار لأنا نجدها مطبوعة قائمة للنمو والحس الطبيعي للغذاء فقط اللذين هما للطبيعة دون النفس .
فقد بان مما قدمنا أنه موافق لكل الناس في كل الأسنان [٣] والأزمان والأبدان إذا أخذ بحسب القوة والعادة والاحتمال . وتدل على ذلك المشاهدة ، لأنا نجد الأطفال والصبيان يحتملون منه مقدارا ما ، والاحداث والشبان يحتملون منه مقدارا أكثر . وأما المشايخ فإنه وان كان أقوى الأسباب معونة على صحتهم وسلامة أبدانهم ، فحاجتهم إلى ما يشجع ويعضد حرارتهم الغريزية ويقويها ويسخن رطوبة أبدانهم الفضلية ‹ أكثر › فإن احتمالهم أقل من احتمال الشبان كثيرا ، وذلك لضعف أدمغتهم ورخاوة عصبهم . فمن البين إذا ان فعل الشراب في الشيوخ مخالف [٤] لفعله في الشبان والأطفال ، من قبل أن فعله في الشيوخ فعل الدواء في الداء ‹ لمخالفته › لأمزجتهم [٥] ومباينته لطباعهم . وفعله في الشبان فعل الغذاء للمغتذي لملاءمته لأمزجتهم ( ٥ ) ومشاكلته لحرارتهم ومعونته لها وزيادته في جوهرها .
وأما الأطفال والصبيان فان فعله فيهم فعل الغذاء للمغتذي ، والدواء في الداء معا . والسبب في ذلك أن حرارة الصبيان وان كانت أقوى بالجوهر ، فإنها لم تبلغ نهايتها في القوة لافراط رطوبة أبدانهم لغلبة الدم على مزاجهم بالطبع . والشراب من جهة يعضد حرارتهم الغريزية ‹ و › يقويها وينميها ويفعل فيها فعل الغذاء في المغتذي لمشاكلته لها بالطبع . ومن جهة أخرى ينشف رطوبة أبدانهم الفضلية رويدا رويدا ويفشها ( ٦ ) لمخالفته لها . ففعله فعل الدواء في الداء .
[١] في الأصل : رونق .
[٢] ( للنفس ) مضافة في الهامش .
[٣] جمع لسن : العمر .
[٤] في الأصل : مخالفا .
[٥] في الأصل : لمزاجهم . ( ٦ ) أي يخرجها ولا يبقى منها شيئا .