الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٥٤١ - في اختلاف غذاء الحيوان على اختلاف أعضائه
زهومة بها صار الدم المتولد عنه غليظا مذموما . وأحمده ما كان من حيوان أصغر سنا وأخصب لحما ، لان ما كان من حيوان كذلك ، كان أقل لزهومته ، وإن كان ليست الخصي من كل حيوان أفضل منه من الديوك ، وبخاصة ما كان منها صغيرا حين يبتدئ في الصياح . ويدل على فضل خصى الديوك على غيره من الحيوان ، لذاذة طعمه وقلة رطوبته وسرعة انهضامه . وذلك دليل على جودة الدم المتولد عنه .
والسبب في ذلك اعتدال حرارة حيوانه وقلة رطوبته ولزوجته وكثرة برده ، لان كثرة الحركة الطبيعية مما يلطف فضول الخصي وينقيها عنه بسرعة ، لا سيما إذا كان من ديوك سمينة قد ابتدأت في الصياح .
فأما خصى الثيران والكباش والتيوس فشديدة الزهومة ، كريهة الرائحة ، بعيدة الانهضام مذمومة الجوهر . فإذا انهضمت ، كان غذاؤها كثيرا لأنه غير محمود لفساد جوهره . فإن اعترض علينا [١] في خصى الديوك بخصي العصافير وقال : فإذا كانت [٢] خصى الديوك إنما فضلت لقلة رطوبة الديوك بالطبع وكثرة بردها ، فلم لا كانت ( ٢ ) خصى العصافير أفضل لأنها أقل رطوبة وأكثر بردا ، قلنا له : عارضت بمحال من قبل أن الديوك أعدل الطير مزاجا ، والعصافير أحر الطير بعد الجراد مزاجا وأمرها نفسا . فإذا كان بردها زادها ذلك ( ٣ ) حرارة وجفافا وخرجت عن الاعتدال وفارقت طباع الانسان وصار غذاؤها مذموما إلا على سبيل الدواء لمن أفرط على مزاجه البرودة والرطوبة .
فأما اختلاف أعضاء الحيوان من قبل مواضعها فيكون على ضروب : لان من أعضائها ما هو قريب من سطح البدن مجاور ( ٤ ) للعظام مثل لحم القلب والرقبة والأضلاع والأكتاف وما شاكل ذلك . ومنها ما هو بعيد من سطح البدن معرى من العظام مثل البطن وما يحوي من الأحشاء . ومنها ما هو قريب من الدماغ مجاور لينبوع الحياة ومعدن الحرارة الغريزية مثل الأعضاء المتوسطة بين القلب وبين الرأس . ومنها ما هو قريب من العجز بعيد من ينبوع الحرارة الغريزية مثل الذنب والأفخاذ والأكارع . ومنها ما هو في الجانب الأيسر قريب من الطحال بعيد من ينبوع القوى الطبيعية . ومنها المتوسط بين هاتين المرتبتين مثل الأعضاء المتوسطة بين الكبد والأفخاذ .
فما كان من الأعضاء قريبا من سطح البدن مجاورا للعظام ، كان أرخى لحما وأقل شحما وألذ طعما وأسرع انهضاما وأحمد غذاء ، وذلك لجهتين : إحداهما : ما يتحلل من فضولها ويخرج من مسام البدن بالبخار والعرق ، ولقربها منها . والثانية : أن العظام المجاورة لها ترض لحمها وترخي جسمها وتفيدها لذاذة وسرعة انهضام . وما كان من الأعضاء بعيدا من سطح البدن معرى من العظام ، كان أغلظ لحما وأكثر شحما وأعسر انهضاما وأقل لذاذة وأذم غذاء وأخص بالفضول ، وذلك لجهتين : إحداهما :
قربها من مغيض الأثفال والرطوبات وبعدها من المسام الظاهرة التي من شأنها أن تتحلل منها فضلة الانهضام الثالث الكائن في الأعضاء . والثانية : بعدها من العظام التي من شأنها أن ترض اللحم
[١] صوابه : فإن اعترض علينا معترض ، وقد تكون من سهو الناسخ .
[٢] في الأصل : كان . ( ٣ ) كذا في الأصل ، لا جواب للشرط . ( ٤ ) في الأصل : مجاورا .