الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٥٩٨ - القول في الماء الثلج والفقاع
القول في الماء والثلج والفقاع أما الماء فأجمع الطبيعيون أنه مركب تركيبا أوليا من طبيعتين بسيطتين وهما : البرودة والرطوبة .
ولذلك لم يمكن أن يكون مغذيا لأبداننا ولا زائدا فيها إلا أن يتركب مع غيره من الأغذية المركب تركيبا ثانيا من العناصر الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض [١] . وذلك أن الماء لما كان باردا رطبا لطبيعته وذاته ، لا لإضافته إلى غيره ، لم يمكن أن يكون فيه تغذية لما كان في مزاجه حرارة ويبوسة لمضادته لكل حار يابس ، ومنافرته له بالطبع . وإذا كان ذلك كذلك لم يمكن أن يفعل فيه إلا فعل الضد في الضد . والأضداد غير زائدة بعضها في بعض ، ولا مقرب بعضها لبعض ، لان كل واحد منها منافر ( ١ ) لصاحبه ومفسد ( ٢ ) له وينفسد منه كمنافرة الماء للنار ، والبياض للسواد ، وفعل كل واحد منهما في صاحبه وانفعاله منه .
ولما كان ذلك كذلك ، بان واتضح أن الماء غير مغذ لأبداننا ولا زائد فيها . ومما يدل على ذلك أيضا أن الماء بسيط وأبداننا مركبة . والبسيط لا يفعل في المركب فعل المركب في المركب ، ذلك لمشاكلة المركب للمركب مثله ، ومخالفة البسيط له بالطبع . والمخالف غير مغذ لما خالفه ولا زائد فيه ، لان التغذية إنما هي تشبه المغذي بالمغتذي لمشاكلة الغذاء له بالقوة . والماء فغير مشاكل لما في أبداننا من الحرارة واليبوسة لا بالقوة ولا بالفعل . فهو إذا غير مغذ لهما ولا زائد فيهما .
فإن عارضنا معترض وقال : فإذا كان الماء على ما ذكرت ، فما حاجة الطباع إليه وهو غير مغذ للأبدان ولا زائد فيها ( ٣ ) ولا مقو لها ؟ قلنا له : أما الحاجة إليه فلجهتين : إحداهما : أنه مركب للغذاء وحامل له إلى جميع البدن لأنه برقته وسيلانه وانمياعه يرق الغذاء ويسيله ويسهل نفوذه في العروق وجولانه في البدن . والثانية : أنه ببرودته ورطوبته يقاوم الحرارة العرضية ويقمع حدتها ويمنع أذيتها
[١] المقصود هنا هو عنصر التراب . ( ٢ ) في الأصل ، بالنصب . ( ٣ ) في الأصل : فيهما .