الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٦٠٩ - القول في الشراب
النافخة المضرة بالمعدة والحجاب وسائر البطن والسدد المانعة لدرور البول . ولذلك قال جالينوس : أن ما كان من الأشربة حديثا لم ينفذ الغذاء ولم يوصله ولم يدر البول . ولذلك وجب على من طبعه حار غليظ ومزاجه مرطوب أن يتوقاه جهده أو يتجنبه أصلا لبعد انهضامه [١] وعسر نفوذه في العروق وجولانه في البدن وانقلابه إلى الدم . وكذلك كان غير محمود الجوهر ولا صالح الغذاء ، لأنه ببعد انهضامه يلبثه في المعدة زمانا ويطفو في أعلاها ويعوم كما يعوم الماء . فان أخذ منه فضلا قليلا ، أسرعت إليه الحموضة وتفجج وفجج الغذاء ومنع من كمال نضجه ، وأحدث بشما وتخما وجشاء حامضا وتمددا في الجنبين وسائر البطن وبخاصة ما كان غليظا أسود [٢] قريب العهد بالعصير . ولذلك قال جالينوس : وليس ينتفع بشئ من الشراب الحديث الا بما كان رقيقا مائيا بعيد العهد بالعصير ، لان ما كان كذلك كان ، بإضافته إلى الغليظ من جنسه ، أسرع انحدارا وأحمد غذاء وأعون على تليين البطن .
وما تقادم من الشراب وعتق وجاوز السبع سنين واستفاد مرارة ، كان في غاية الحدة والحرافة ، لان إسخانه وتجفيفه في الدرجة الثالثة من قبل أن رطوبته الجوهرية قد قلت وقاربت الفناء وغلب على مزاجه اليبس والجفاف . وما كان من الشراب كذلك ، كان غذاؤه يسيرا وترقيه إلى الرأس سريعا وفرغه للذهن شديدا ، وذلك لقوة تلذيعه وإحراقه وبخاصة إذا اخذ منه مقدار كثير قليل [٣] المزاج . ومن قبل ذلك صار من الأفضل أن يحذره ولا يقربه من كان عصبه ضعيفا وحسه ذكيا ، لأنه يفيد من كان كذلك ضررا لا يستقل ، الا ان يكون في بدن صاحبه من الرطوبة ما يقاوم حدته ويكسر حرافته وتلذيعه فيفعل فيها فعل الدواء في الداء .
ولذلك قال جالينوس : من أوفق الأشربة لمن كان قد اجتمعت [٤] في عروقه أخلاط غليظة نية قليلة الحرارة ، الشراب الحديث المتقادم . وأما الشراب المعتدل الزمان المتوسط بين القديم والحديث ، فهو في اعتداله وحسن استمرائه وجودة جوهره بحسب توسطه وبعده من الحاشيتين المذمومتين ، لان إسخانه وتجفيفه في الدرجة الثانية . ولذلك صار الأفضل أن يختار من الشراب ما كان كذلك ، ويحذر ما كان قد بلغ من قدمه وعتقه إلى أن صار إلى حالة قد زالت [٥] عنه فيها لذاذته وغلبت عليه المرارة والحرافة . وكذلك وجب أن يتجنب منه ما كان له من الطراء وق . ب من المدة ما لم يكمل هضمه فيها ويسكن غليانه وتثويره وتمتار [٦] حرارته ، وترسب أرضيته وترابيته ، وتظهر هوائيته وتعوم ، وتبقى مائيته صافية نقية من الأوساخ والأثفال ، لان الأول منهما ، أعني المتقادم ، يسخن إسخانا يجاوز حد الاعتدال
[١] بعدها في الأصل : ( وسرعة ) ملغة بشطبة .
[٢] في الأصل : أسودا .
[٣] في الأصل : مقدارا كثيرا .
[٤] في الأصل : ( اجتمع ) .
[٥] في الأصل : زال .
[٦] في الأصل : ويمتار إحرارة . ولعلها كما أثبتنا . وتماترت النار : ترامت وتساقطت . والمعنى المقصود أن حرارته تضعف .