الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٥٦١ - القول في اللبن السليم والدلالة عليه
وبعده الماعز ، لان الجزء السمني في الضأن أكثر وعليه أغلب .
وقد بان مما قدمنا إيضاحه أن أغلظ الألبان وأبعده انهضاما وانحدارا وأثقلها على المعدة وأقلها إطلاقا للبطن ألبان البقر ، إلا أنها أكثر الألبان غذاء لأنها أكثر جبنية وسمنية خلا لبن الضأن فإنه [١] أكثر جبنية منه . ويدل على ذلك زهومة لبن الضأن وذكاء رائحة لبن البقر . والسبب في غلظه وبعد انهضامه وثقله على المعدة أنه أقل الألبان مائية ورطوبة ، من قبل أنه أكثر الحيوان المشاء يبسا وجفافا . ولذلك صار لبنه نافعا من الاسهال المري والزحير الصفراوي ومن الاسهال العارض من عقر [٢] الأمعاء وبخاصة إذا أشوي بالقطع الحديد الفولاذ ونزع ما فيه من يسير المائية .
فإن قال قائل : فما السبب الذي أوجب للبن البقر النفع من الاسهال ولبن الضأن أكثر جبنية منه !
قلنا له : إن لبن الضأن ، وإن كان أكثر جبنية من لبن البقر ، فإن في مائيته من الكثرة والحدة ما يخفي فعل الجبنية ويستره . ولذلك صار إذا شوي بقطع الحديد الفولاذ حتى تزول عنه مائيته وحدته ، أمكن فيه أن تصير له قوة حابسة قاطعة للاسهال ، وإن كان ذلك فيه أضعف منه في لبن البقر والماعز ، لان قوة حيوانه الطبيعية وزيادة رطوبته الغريزية تعوقانه عن مرتبة لبن البقر في ذلك ، لغلبة اليبس وضعف الحرارة في لبن البقر بالطبع . وقد يستعمل لبن البقر على ضروب من الصنعة فتختلف أفعاله ومنافعه على حسب اختلاف صنعته . وذلك أن ‹ من › أراد استعماله لقطع الاسهال المري ومن عقر الأمعاء وتسكين الزحير الصفراوي ، إذا أخذه وهو حليب وشواه بالحصى المدور المصمت أو بالقطع الحديد الفولاذ على ما وصفنا مرارا ، وشربه بعد ذلك [٣] النساء .
فان قال قائل : وكيف صار لبن الأتن ألطف الألبان فعلا ولبن اللقاح والخيل أكثر مائية ، وأخص باللطافة من الجبنية والسمنية ؟ قلنا له : إن الشئ ينسب إلى اللطافة لجهتين : إما لقوة فعله وناريته في تلطيف الأثفال وتنقية الفضول ، وإن كان الجوهر المتولد عنه غير محمود مثل الفلفل والزنجبيل وما شاكل ذلك . ولبن اللقاح ، وإن كان ألطف فعلا بحدته وقوة [٤] تلطيفه ، فإن لبن الأتن ألطف جوهرا لاعتداله وقربه [٥] من لطافة لبن النساء [٦] . ولذلك قال ديسقوريدس : إن لبن الأتن لا يكاد أن يتجبن لقربه من طبيعة لبن النساء ومشاكلته له في اللطافة ، وبخاصة إذا شرب بحرارته التي يخرج منها من الضرع .
وأفضل من ذلك أن يشرب من الضرع إن لم تعافه النفس ، فإن عافته النفس ، شرب كما يخرج من الضرع بشئ من سكر طبرزد .
[١] في الأصل : فإنها .
[٢] العقر : الجرح .
[٣] كذا في الأصل وفوقها إشارة الاستدراك في الهامش ، ولكنه خلا إلا من إشارة تدل على انقطاع السياق . ولعله : ( نفعه لقربه من لطافة لبن ) .
[٤] في الأصل : وقوته .
[٥] في الأصل : وقوته .
[٦] ولم يذكر الجهة الثانية .