الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٦١٩ - القول في الشراب
المكدرة لنور الحياة والحرارة الغريزية المفسدة لضيائها المولدة للهموم والأحزان ، غير أنه لثقل حركته وبعد انفعاله ، صار لا يترقى إلى الرأس بسرعة ، ولا يسكر من قرب . وإذا أسكر ، كان انحلال خماره أعسر .
وأما ما كان من الشراب رائحته متوسطة بين اللطافة والغلظ ، والخفة والثقل ، والسرعة والابطاء ، كان في فعله وانفعاله أجدى من الحاشيتين بقسطه بقدر يقدر توسطه بينهما وانحرافه إلى إحدى الحاشيتين دون الأخرى .
وما كان من الشراب له رائحة كريهة مفسدة للحاسة منافرة للطباع ، كان مذموما [١] جدا ردئ الكيموس ، فاسد الجوهر ، وبحسب رداءة الكيموسية وفساد جوهره ومنافرة الطباع له ، كذلك نكاءته للدماغ وإضراره للحس والعصب وحجب الدماغ ، لأنه يولد دما مذموما فاسدا تعافه الطباع وتأباه ، ولا سيما إذا كان مع ذلك قابضا ثقيل الحركة ، لان انهضامه يكون أعسر وانحداره أبعد . ولذلك قال جالينوس : وينبغي أن نتجنب من الشراب ما كانت رائحته بشعة كريهة ، لا سيما إذا كان قابضا ، لأنه أبعد لانهضامه وأفسد للدم المتولد عنه .
* * * في ما يلحق الشراب من الاختلاف بحسب قوته وضعفه أما قوة الشراب فتنقسم قسمة أولية على ثلاثة [٢] ضروب : لان منه القوي جدا ، ومنه الضعيف جدا ، ومنه المتوسط بين ذلك ، وإن كان قد يقع بين الواسطة من ذلك وبين الحاشيتين وسائط أخر تدق العبارة عنها باللفظ . فما كان من الشراب قويا صلبا ، كان إسخانه أكثر وترقيه إلى الرأس أسرع وفرغه للذهن أقوى وأشد ، لأنه يملا الرأس بخارات حارة لذاعة . ولذلك سماه أبقراط الخمر الخميري [٣] . وما كان منه ضعيفا ، كان فعله بخلاف فعل الأول وعكسه . ولذلك سماه أبقراط الخمر المائي . ولهذه الجهة صرنا إذا وجدنا الشئ إذا تقوى به الشراب المائي في شراب [٤] من الأشربة قويا ، سمينا ذلك الشراب خمريا . وإذا وجدناه في شراب من الأشربة ضعيفا ، سميناه مائيا لقربه من المشاكلة لقوة الماء في طعمه ولونه وقوامه وضعف إسخانه . وما كان من الأشربة متوسطا بين الحاشيتين جميعا ، كان أجدى من كل
[١] في الأصل : مذموم .
[٢] في الأصل : ثلاثة .
[٣] كذا في الأصل ، وفوقها : ( يحقق ) إشارة إلى غموضها . ولعلها ( الخمري ) كما سترد بعد قليل .
[٤] في الأصل : ( الماء في الشراب ) .