الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٩٣ - القول في الخبز
وللفاضل أبقراط في هذا فصل قال فيه : إن ما كان من الخبز أثخن وأعظم قدرا ، كان لبابه أكثر وغذاؤه أزيد وانحداره عن المعدة أبعد ، ومعونته على تليين البطن أقرب . وما كان من الخبز أرق وأصغر ، كان لبابه أقل وغذاؤه أيسر وانحداره عن المعدة أسرع ومعونته على حبس البطن أسهل .
وما كان من الخبز متوسطا بين هاتين الخلتين ، كان أخذ من الحاشيتين بقسطه ، وصار على غاية التوسط والاعتدال ، وإن كان ذلك قد يزيد فيه وينقص على حسب قربه من إحدى [١] الحاشيتين دون الأخرى ، أو توسطه بينهما على الحقيقة .
وأما صنعة الخبز ، فتكون على أربعة ضروب : لان منه ما تحكم صنعته وعمله ويجعل فيه من الخمير والملح مقدار الواجب ، ويبالغ في عجنه وعركه وتخميره ، ويخبز بنار لينة معتدلة ، ويفعل فيها بتمهل حتى ينضج تاما كاملا . ومنه ما لا يجعل فيه من الخمير والملح إلا أيسر ‹ من › ذلك ، ويقصر في عجنه وعركه وتخميره ، ولا ينضج أيضا نضجا كاملا . ومنه ما قد جعل فيه من الخمير والملح ما يجاوز المقدار في الكثرة . ومنه الفطير المحض الذي لا يجعل فيه من الخمير والملح شئ [٢] أصلا .
فما كان منه معتدل [٣] الخمير والملح ، وقد أحكم صنعته في عجنه وعركه وتخميره وحسن إنضاجه بنار معتدلة قد بعدت حرارتها في كل أجزائه بالسواء ، كان انهضامه في المعدة على غاية ما يكون من الجودة . وما كان ما يتولد منه في البدن من أوفق الأشياء للأفعال التي بها يتم الاغتذاء . وما كان كذلك كان محمودا جدا موافقا لأصحاب الدعة والسكون من المتملكين ، ولمن قد ضعف استمراؤه من المشايخ والناقهين من الأمراض ، من قبل أن الصنعة خارجا قد كفت الطبيعة مؤونة التعب فيه باطنا . وأما أهل الرياضة والتعب ، فهو قليل الموافقة لهم [٤] ، للطافته وسرعة انحلاله من أعضائهم . ولذلك صار متى أدمن عليه أحد منهم ، انحلت قواه وضعفت أعضاؤه ونقص لحمه من قرب ، من ‹ قبل › أن التعب وإدمان الحركة يحمي الأعضاء ويذيب ما فيها من الرطوبة المغذية لها ، ويحللها بالبخار والعرق . فإذا كان الغذاء لطيفا انحل بسرعة وخلت الأعضاء منه وضعفت ونقصت قواها ولحمها . وإذا كان الغذاء منيعا غليظا ، قاوم الحرارة المتولدة عن الحركة ولم ينقاد [٥] لها ولم ينحل بسرعة . ولذلك احتاج أهل هذا الشأن إلى ما كان من الغذاء أغلظ وأصلب وأبعد انحلالا من الأعضاء ، وإلا قطعته الحرارة وأذابته وأفنته قبل أن تستتم الأعضاء حاجتها منه .
وما كان من الخبز قليل الخمير والملح ، ولم يبالغ في عجنه وتخميره وإنضاجه غاية الاحكام ، وكان فيه من اللزوجة والغلظ ما يقارب لزوجة الحنطة المسلوقة وغلظها ، وإن كان دونها في ذلك قليلا لما قد داخله من يسير الخمير والملح والتخمير . ولذلك صارت رياحه أقل ونفخه أيسر . إلا أنه لقربه من
[١] في الأصل : أحد .
[٢] في الأصل : شيئا .
[٣] في الأصل : معتدلة .
[٤] في الأصل : له .
[٥] في الأصل : ينقد .