الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٦ - في وجوب السبيل إلى الوقوف على طبائع الأغذية
الباب الثاني في وجود السبيل إلى الوقوف إلى طبائع الأغذية قال إسحاق بن سليمان : أجمع الأوائل على أن الوقوف على طبائع الأغذية يكون بطريقين :
أحدهما التجربة ، والآخر [١] القياس . وذلك أنه لا يشك أحد في التجربة أنها قد تدل على سرعة الانهضام وإبطائه ، وجودة الغذاء ورداءته ، وملاءمته لمزاج بدن المغتذي أو مخالفته له ، وموافقته للمعدة أو إضراره بها ، وتليينه للطبيعة أو حبسه لها . إلا أن الامر وإن كان كذلك ، فليس يجب أن تكون التجربة معراة من القياس ، لان كثيرا ما يدخل أهلها الشبه والالتباس حتى يقودهم ذلك إلى الحيرة والشكوك ، من قبل أن الأغذية قد يختلف فعلها وانفعالها في الأبدان لثلاثة أوجه : إما لاختلاف طبائع البشر ومزاجاتهم [٢] . وإما لاختلاف كيفية الغذاء في طبيعته وبسطه وتركيبه . وإما لاختلاف استعماله وضرره واتخاذه . وذلك أنا كثيرا ما نشاهد الواحد من الأغذية محمودا في قوم ومذموما في غيرهم ، ومطلقا للبطن في قوم وحابسا لها في غيرهم . ومن أجل ذلك قال رجل من المبرزين المشهورين بمعرفة الطبيعيات يقال له أرسسطراطس ، قال قولا صدق به جميع من سمعه ، ووافقه أيضا عليه جالينوس ، وهو أن قال أن بعض الناس يستمرئون لحم البقر وما شاكله من الأغذية الغليظة البطيئة الانهضام أكثر من استمرائهم لحم الدراج والفراريج ومحمود السمك . وأن الغسل موافق لقوم محمود عندهم يقولون : أنه مطلق للبطن مهيج للأمراض . وأن العدس والكرنب لا يحبسان الطبيعة في كل الناس ، بل يفعلان [٣] ضد ذلك وعكسه في كثير من الناس .
ومن قبل ذلك وجب ألا يطلق القول في شئ من الأغذية بأنه ضار أو نافع ، أو حابس للبطن ، أو مطلق له ، وموافق للمعدة أو مؤذ لها دون الفحص عن ثلاثة وجوه : أحدها ، معرفة طبائع أبدان المستعملين للأغذية وتركيبها وأمزجتها . والثاني ، معرفة اختلاف الأغذية في طبائعها وبسطها وتركيبها .
أعني ببسطها ما كان منها له قوى مختلفة مركبة . والثالث ، كيفية انتقال الغذاء واستحالته في الأبدان .
[١] في الأصل : الأخرى .
[٢] في كتب اللغة : أمزجة جمع مزاج . وكذا هي كلما وردت فيما بعد .
[٣] في الأصل : يفعلا .