رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٣٧ - فى موضوع الكتاب
و ليس هذا المحرك عقلا صرفا بل نفسا. و لما كانت هناك صلة بين الحركات السماوية و بين العالم الأرضى، فالعالم السماوى يتصور العالم الأرضى «بتفصيله و تلخيصه و الأجزاء التى فيه لا يعزب منها شيء».
و من المطاعن التى و جهت إلى فلسفة ابن سينا أن اللّه لا يعلم الجزئيات، و هذا غير صحيح، فالشيخ فى النجاة يصرح بأن «واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلى، و مع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصى، فلا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات و لا فى الأرض» [١]
و لنرجع إلى الأصل الّذي فى أنفسنا، و كيف يمكن أن نطلع على الأمور الكلية و الجزئية الكائنة الآن، و التى سوف تقع فى المستقبل.
هذه القوى النفسانية قد تحجب لأمرين، الأول لضعفها، و الثانى لاشتغالها بغير الجهة التى إليها الوصول. فإذا زال الحجاب كان الاتصال واقعا، فيتسنى مطالعة كل شيء.
أما الأمور الكلية فإن النفس تنالها بالعقل النظرى من الجواهر العالية. و لابن سينا تشبيه طريف يبين فيه كيفية استفادة القوى النفسانية المختلفة عن العالم السماوى. فالبدن كالبيت، و فيه كوة، و خارج الكوة شمس، هى العقل الفعّال. و قد يحدث عن هذه الشمس إما تسخين و هذه هى القوة النباتية، و إما إنارة و هذه هى القوة الحيوانية، و إما اشتعال و هذه هى النفس الإنسانية. و بذلك يمكن أن نفهم تعبير ابن سينا الّذي يقول فيه:
إن شخصا قد يكون مؤيد النفس بشدة الصفاء و شدة الاتصال بالمبادئ العقلية العالية «فيشتعل حدسا» أى قبولا لإلهام العقل الفعّال. و مثل هذا الشخص هو النبي، و يسميه ابن سينا «الملك الحقيقى» و «الرئيس» الّذي يتصل بعالم العقل، و عالم النفس، و يؤثر فى الطبيعية.
و يتبين من ذلك أن اتهام ابن سينا بأنه يفسر النبوة بقوة التخيل فقط تهمة باطلة،
[١] النجاة ص ٤٠٤- الطبعة الأولى.