رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٤٧ - مقدمة ابن سينا
[مقدمة ابن سينا]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و سلم. رب يسر و أتمم بخير يا كريم.
قال الشيخ الرئيس الإمام العلامة المحقق المدقق حجة الحق على الخلق، طبيب الأطباء، فيلسوف الإسلام، أبو على بن سينا، رحمه اللّه تعالى:
خير المبادئ ما زيّن بالحمد لواهب القوة على حمده، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد نبيه و عبده، و آله الطيبين الطاهرين من بعده.
و بعد، فلولا أنّ العادة سوغت للأصاغر الانبساط إلى الأكابر لاستعجمت عليهم سبل الاعتصام بعراهم، و الاستعانة بقواهم، و الانتماء إلى خدمتهم، و الانحياز إلى جملتهم، و المباهاة بالاتصال بهم، و المباداة فى الاتكال عليهم؛ بل لارتفع ارتباط العام بالخاص، و اعتماد الرعية على الراعى، و تعزز الواهى بالقوى، و انتعاش السائل بالعلى، و استكمال الجاهل بالعاقل، و إقبال العاقل على الجاهل.
و لما وجدت العادة قد نهجت هذه الجادة، و شرعت هذه السّنة، ظفرت بعذر لنفسى فى الانبساط إلى الأمير- أطال اللّه بقاءه- بهدية؛ فسلطت الفكر على اختيار أرضى ما يتضمنه سعيى لديه، بعد ما تحققت أن رأس الفضائل اثنان: حب الحكمة فى العقائد، و إيثار الزكى من الأعمال فى المقاصد. و وجدت الأمير- أطال اللّه بقاءه- قد أعطى نفسه النفيسة من رونق الحكمة ما برز به باذَّا لأقرانه، عاليا على أشكاله؛ فتبيّنت أنّ آثر الهدايا عنده ما أدى إلى آثر الفضائل و هو الحكمة.
و كنت قد استنفدت فى تصفح كتب العلماء جهدى، فصادفت المباحث عن القوى النفسانية من أعصاها على الفكر تحصيلا، و أعماها سبيلا. و رويت عن عدة من الحكماء و الأولياء أنهم اتفقوا على هذه الكلمة و هى: من عرف نفسه عرف ربه. و سمعت رأس