رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٨٩ - خاتمة الرسالة
خاتمة الرسالة
فى ذكر العوالم الثلاثة التى هى عالم العقل و عالم النفس و عالم الجسم، و ترتيب الوجود من لدن الحق تعالى إلى أقصى مراتب الموجودات، على الترتيب النازل منه تعالى، فنقول:
إن أول ما خلق اللّه تعالى جوهر روحانى هو نور محض قائم لا فى جسم و لا فى مادة، دراك لذاته و لخالقه تعالى، هو عقل محض. و قد اتفق على صحة هذا جميع الحكماء الإلهيين و الأنبياء عليهم السلام كما قال صلعم: «أول ما خلق اللّه تعالى العقل، ثم قال له [أقبل فأقبل، ثم قال له] أدبر فأدبر، ثم قال فبعزتى و جلالى ما خلقت خلقا أعز منك، فبك أعطى، و بك آخذ، و بك أثيب، و بك أعاقب»؛ فنقول هذا العقل له ثلاثة تعقلات:
أحدها: أنه يعقل خالقه تعالى.
و الثانى: أنه يعقل ذاته واجبة بالأول تعالى.
و الثالث: أنه يعقل كونه ممكنا لذاته.
فحصل من تعقله خالقه عقل هو أيضا جوهر عقل آخر، كحصول السراج من سراج آخر.
و حصل من تعقله ذاته واجبة بالأول نفس، هى أيضا جوهر روحانى كالعقل. إلا أنه فى الترتيب دونه.
و حصل من تعقله ذاته ممكنة لذاته جوهر جسمانى هو الفلك الأقصى، و هو العرش بلسان الشرع.
فتعلقت تلك النفس بذلك الجسم؛ فتلك النفس هى النفس الكلية المحركة للفلك الأقصى، كما تحرك نفسنا جسمنا. تلك الحركة شوقية بها تتحرك النفس الكلية الفلكية شوقا و عشقا إلى العقل الأول، و هو المخلوق الأول، فصار العقل الأول عقلا للفلك الأقصى