رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٨٧ - الفصل الثّالث فى مراتب النفوس فى السعادة و الشقاوة بعد المفارقة عن الأبدان
الفصل الثّالث فى مراتب النفوس فى السعادة و الشقاوة بعد المفارقة عن الأبدان
اعلم أن النفس الإنسانية لا تخلو عن ثلاثة أقسام: لأنها إما أن تكون كاملة فى العلم و العمل، و إما أن تكون ناقصة فيهما، و إما أن تكون كاملة فى أحدهما ناقصة فى الآخر.
و هذا القسم الثالث على قسمين: لأنها إما أن تكون كاملة فى العلم ناقصة فى العمل أو بالعكس.
فتكون أصناف النفوس بحسب القسمة الأولى ثلاثة كما ورد فى القرآن: «وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ» ثم قال: «وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» فنقول: أما الكاملون فى العلم و العمل فهم السابقون، و لهم الدرجة القصوى فى جنات النعيم، فيلتحقون من العوالم الثلاثة بعالم العقول، و يتنزهون أن يقارنوا درن الأجسام و نفوس الأفلاك مع جلالة قدرها، فهؤلاء هم السابقون الذين هم فى المرتبة العليا. و أصحاب اليمين و هم فى المرتبة الوسطى يرتفعون عن عالم الاستحالة و يتصلون بنفوس الأفلاك، و يتطهرون عن دنس عالم العناصر، و يشاهدون النعيم الّذي خلقه اللّه تعالى فى السموات من الحور العين، و ألوان الأطعمة اللذيذة، و ألحان الطيور التى تقصر أوصاف الواصفين عن ذكرها و شرحها، كما قال عليه السّلام حكاية عن ربه: «أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر»؛ فهذه مرتبة المتوسطين من الناس.
و لا يبعد أن يتمادى أمرهم إلى أن يستعدوا للفوز بوصول الدرجة العليا، فينغمسوا فى اللذات الحقيقية، و اصلين إلى السابقين، بعد انقضاء دهور تأتى عليهم؛ فهذه مرتبة أصحاب الشمال، و هم النازلون فى المرتبة السفلى، المنغمسون فى بحور الظلمات الطبيعية، المنتكسون فى قعر الأجرام