رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٩١ - خاتمة الرسالة
حتى تسعد بها النفس تلك السعادة فيكون من السابقين المذكورين؟ قلت: يمكن ذلك التحديد بالتقرير، فنقول:
ينبغى أن يكون عالما بوجود واجب الوجود تعالى، و صفات جلاله و نعوت كماله، و تنزيهه عن التشبيه، و يتصور عنايته بالمخلوقات و إحاطة علمه بالكائنات، و شمول قدرته على جميع المقدرات؛ ثم يعلم أن وجوده يبتدئ من عنده ساريا إلى الجواهر العقلية، ثم إلى النفوس الروحانية الفلكية، ثم إلى الأجسام العنصرية بسائطها و مركباتها من المعادن و النبات و الحيوان؛ ثم يتصور جوهر النفس الإنسانية و أوصافها و أنها ليست بجسم و لا جسمانية، و أنها باقية بعد خراب البدن إما منعمة و إما معذبة. فهذا القدر من العلم مجمله و مفصّله هو القدر الّذي إذا حصل للإنسان استسعد بالسعادة التى شرحنا حالها، أعنى سعادة السابقين الكاملين. و بقدر ما ينتقص علمه و عمله انتقص من درجاته و قربه من اللّه تعالى. و أما الذين قد انحطت رتبتهم عن درجة هؤلاء الكاملين علما و عملا و هم المتوسطون، فيكونون إما كاملين فى العمل دون العلم، أو بالعكس، فهم يكونون محجوبين عن العالم العلوى مدة حتى تنفسخ عنهم تلك الهيئات الظلمانية بتلك الأعمال الردية التى كانوا يعملونها فى حياتهم الدنيا، و تتقرر الهيئة النورية قليلا قليلا فيتخلصوا إلى عالم القدس و الطهارة، و يلتحقوا بهؤلاء السابقين. و أما الكاملون فى العلم دون العمل من القسمين المتوسطين، و هم المتنزهون من أهل الشرائع الذين يعملون الصالحات، و يؤمنون باللّه و اليوم الآخر، و يتبعون الأنبياء فيما أمروا، و نهوا عنه، و لكن لا تكون لهم زيادة بسط من حقائق العلوم، و لا يعرفون أسرارها و الأسرار و التنزيلات الإلهية و تأويلاتها، فهم إذا تخلصوا عن أبدانهم انجذبت نفوسهم إلى نفوس الأفلاك، و عرجوا إلى السموات، فشاهدوا جميع ما قيل لهم فى الدنيا من أوصاف الجنة فى غاية الشرف و الرتبة، يلبسون فيها من سندس و إستبرق، و حلوا أساور من فضة متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا و لا زمهريرا؛ و لكن لا يبعد أن يفضى بهم الأمر إلى